شريط المقالات

مها الفيصل: من ثقافة النسب إلى نسب الثقافة..

 مها الفيصل: من ثقافة النسب إلى نسب الثقافة..

 

مها الفيصل: من ثقافة النسب إلى نسب الثقافة

ثمَّة كتاباتٌ لا تُملى على القلم إملاءً، وإنما تنبع من حسٍّ يأبى أن يُغمَطَ حقٌّ أو يُطوى عمل؛ يسوقها حقٌّ تأخّر بيانُه، ويُلِحُّ عليها واجبٌ طال انتظارُه. ومِن أحرج تلك الكتابات ما يُسطَّر عمّن يعمل المرءُ في ظلاله؛ إذ يقف الكاتبُ حينها بين خشيتين: أن يُتَّهم بالقرب فيُحمل قولُه على المجاملة، أو أن يَظلِم الحقيقةَ بالصمت فيُحمل سكوتُه على الجحود. وبين هاتين الخشيتين يرتجف القلم، ثمّ ما يلبثُ أن يدرك أنّ الإنصاف عزيز، وأنّ رضا الناس غاية لا تدرك.

ومن هنا تبدو الكتابة عن سيرة صاحبة السمو الملكي الأميرة مها بنت محمد الفيصل آل سعود نموذجًا لما يمكن أن نسميه: نسب الثقافة لا ثقافة النسب. فهي لا تحضر في المشهد الثقافي بوصفها سليلة بيت الفيصل، وإنما بوصفها أديبة نُشِر نتاجها قبل نحو ربع قرن، وباحثة في سؤال الهُوية قبل أن تكون مسؤولة ثقافية.

وُلدت مها الفيصل في كاليفورنيا عام ١٩٦٢م، أثناء دراسة والديها في الولايات المتحدة، ونشأت بين بيئات عربية وغربية قبل أن تستقر في المملكة. ومنذ البدء كان تكوينها منفتحًا على أكثر من منبع؛ فهي حفيدة الملك فيصل (ت١٩٧٥)، وابنة الأمير محمد الفيصل (ت٢٠١٧م)، أحد الأسماء التي اقترنت مبكرًا بالصنائع والمخطوطات العربية المزوَّقة اقتناءً وتذوقًا منذ مطلع السبعينيات الميلادية، وشارك في فعاليات "مهرجان العالم الإسلامي" في لندن عام ١٩٧٦م ممثلًا عن المملكة، وألقى كلمةً في سياق مؤتمر "الإسلام وتحديات عصرنا"، كرئيسٍ للوفود المشاركة، وكان حديثه متصلًا بفكرة عميقة: أن الفنون والمظاهر الثقافية هي إشارات إلى منظومة قيم ومعانٍ ورؤية للإنسان والعالم.

الأمير محمد الفيصل ملقيًا كلمة الوفود عام ١٩٧٦م
الأمير محمد الفيصل ملقيًا كلمة الوفود عام ١٩٧٦م

 

ولهذا يمكن النظر اليوم إلى ما يحتفظ به مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية من كتب مخطوطة وقطع نادرة مهداة من الأمير محمد الفيصل بوصفها تجسيدًا وامتدادًا لهذا الوعي العائلي العميق. إذ يمتلك المركز ما لا يقل عن عشرين مادة مهداة منه، ومن أشهر تلك الذخائر مخطوطة كتاب "كليلة ودمنة" المنسوخة في بغداد عام ٧٤٧هـ، وهي من أندر نسخ الكتاب المصوّرة، وتُعد من نفائس مقتنيات المركز، ولذلك دفع المركز بتسجيلها في برنامج ذاكرة العالم باليونسكو.

ومن جهة الأم، تمتد الأميرة مها إلى نسبين عريقين: فوالدتها منى، ابنة عبدالرحمن عزّام باشا (ت١٩٧٦م)، أول أمين عام لجامعة الدول العربية (١٩٤٥-١٩٥٢م)، والرجل الذي ارتبط اسمه بالفكرة العروبية والمسألة الشرقية في الربع الثاني من القرن العشرين. ووالدة والدتها مي، ابنة خالد القرقني (ت١٩٧١م)، المجاهد الليبي الشهير ومستشار الملك عبدالعزيز. هذا النسب العربي يظهر أثره لاحقًا في مشروع مها الفيصل عن "المرويّة العربية" الذي تبنته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) التابعة لجامعة الدول العربية، والتي صادق جدها الملك فيصل على انضمام المملكة إلى المنظمة عام ١٩٧٢م.

المستشار خالد القرقني (أقصى اليسار) يقف خلف جلالة الملك المؤسس
المستشار خالد القرقني (أقصى اليسار) يقف خلف جلالة الملك المؤسس


نعود لصلب حديثنا فنقول، تلقت الأميرة مها تعليمها في مدارس المنارات بجدة، ثم درست علم الاجتماع في جامعة الملك عبدالعزيز، وتخرجت في كلية الآداب عام ١٩٨٣م، أي في العام الذي أسَّس فيه أعمامها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، والذي ستتولى إدارته بعد أربعة عقود من التكوين والتأهيل.

وأتاح لها إتقانها الإنجليزية والفرنسية أن تطل على الفكر العالمي من نافذة واسعة، غير أن هذا الانفتاح لم يأخذها بعيدًا عن الثقافة العربية، وإنما أعادها إليها بسؤال أعمق عن اللغة، والهوية، والحضارة، ومعنى أن ينتمي الإنسان إلى ثقافة لا تزال قادرة على إنتاج المعنى. ومن يقرأ أعمالها الأدبية يلحظ أن الخيال عندها ليس هروبًا من الواقع، وإنما طريق إلى طبقاته الأعمق؛ فالرواية في تجربتها فضاء رمزي تتداخل فيه الأسطورة مع التاريخ، واللغة بالوجدان، والإنسان بأسئلته الأولى. وقد أشاد الناقد الراحل إحسان عباس (ت٢٠٠٣م) بتجربتها السردية مبكِّرًا وشجعها على النشر، ورأى فيها اتجاهًا جديدًا في الرواية. وقد ظهرت هذه النزعة مبكرًا في رواياتها الثلاث: "توبة وسُلَيَّى" (٢٠٠٣م)، و"سفينة وأميرة الظلال" (٢٠٠٣م)، ثم "طَرَب" (٢٠١٠م).

مؤلفات الأميرة مها بنت محمد الفيصل
   

ولم تقف تجربتها عند الرواية، فقد شاركت في أدب الطفل مشاركة تحمل الهم نفسه، إذ كتبت للصغار من داخل بيئة عربية إسلامية، ومنحت الحكاية بعدًا لغويًا وقيميًا لا ينفصل عن مشروعها الأوسع في حماية الذاكرة وتوريث المعنى.

وفي مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، انتقلت هذه الرؤية من الكتابة الفردية إلى العمل المؤسسي، فالتحقت الأميرة مها بالمركز عام ٢٠١١م، وتدرجت في مواقع علمية وإدارية عدة، حتى عُيّنت أمينةً عامةً للمركز في أغسطس ٢٠٢٢م. هذا التدرج جعل علاقتها بالمركز علاقة معرفة داخلية، فأدارت دارة آل فيصل، والبحوث، والمتاحف، ثم جاءت إلى الأمانة العامة وهي تحمل تصورًا واضحًا لما يمكن أن يكون عليه المركز: بيتًا بحثيًا للمعرفة العربية. 

غير أن حضورها الأوسع يظل في ذلك القلق الفكري الذي جاء في كتابها "أمّة على رسلها: تأملات من بلاد العرب" (٢٠٢٣م) المُدشِّن لمشروعها عن "المرويّة العربية". ففي هذا الكتاب لم تعد الأميرة مها تكتب بوصفها روائية تستدعي الرمز والأسطورة، وإنما بوصفها مفكِّرة تتأمل سؤال الحضارة العربية، وتدافع عن حقها في أن تُقرأ من داخلها لا من هوامش التصورات الجاهزة عنها. وقد التفت الأنثروبولوجي سعد الصويان إلى هذا المعنى في مقال له بعنوان "الأميرة مها الفيصل والهم الثقافي"، فرأى فيه كتابة هادئة رصينة، تعيد إلى الإنسان العربي ثقته بذاته، وتدفعه إلى مقاومة الذوبان في النموذج الغربي من غير ضجيج ولا انغلاق.

كتاب: أمة على رسلها_ مها بنت محمد الفيصل

وطرح مشروعها عن "المرويّة العربية" سؤالاتٍ هويّاتيةٍ حرجة: من يكتب تاريخنا ومنجزنا الحضاري؟ ومن أي طبقة تحليلية يقرأ؟ فالمرويّة عندها محاولة لاسترداد الحق في الفهم والتسمية. وهي لا تعني إغلاق الباب على القراءات الأخرى، وإنما تعني أن يكون للعرب صوتهم في قراءة حضارتهم، وألا تظل ذاكرتهم مرهونة بما كتبه الآخرون عنها.

وقد اتخذت "أيام المرويّة العربية" مسارًا متدرجًا يكشف اتساع الفكرة وعمقها؛ فكانت الدورة الأولى منصرفة إلى سؤال العلم وانتقاله، وإلى مراجعة موقع العرب في تاريخ المعرفة. ثم جاءت الدورة الثانية لتقرأ "ثقافة الصحراء" بوصفها الذاكرة الأولى التي تشكلت فيها اللغة والخيال والقيم وأنماط العيش، وكأنها تعيد الاعتبار إلى الصحراء لا بوصفها فراغًا جغرافيًا، وإنما بوصفها أصلًا رمزيًا في تكوين الإنسان العربي. أما الدورة الثالثة فقد اتجهت إلى "الفن العربي الإسلامي، من السردية الاستشراقية إلى المرويّة العربية"، فكان سؤالها أعمق من حفظ الأثر أو عرضه؛ إذ أرادت أن تستعيد الفلسفة والمعرفة والجمال الكامن في الصنائع، وأن تنقلها من خانة المخلّفات المادية إلى مجال النظر والتأصيل والتجديد.

الأمير تركي الفيصل يفتتح الدورة الأولى من المرويّة العربية
الأمير تركي الفيصل يفتتح الدورة الأولى من المرويّة العربية

وضمن هذا الأفق يمكن فهم عنايتها بالكراسي البحثية في المركز: كرسي اليونسكو لترجمة الثقافات، وكرسي الألكسو للصنائع العربية الإسلامية، وكرسي الكتاب العربي. هذه الكراسي لا تبدو متفرقة حين نقرأها في ضوء مشروعها؛ فالترجمة، والصنعة، والكتاب، كلها مسالك إلى قراءة الحضارة في مادتها ومعناها. وقد دُشِّن كرسي الكتاب العربي في أبريل ٢٠٢٦م، بوصفه أول كرسي من نوعه في العالم العربي، معنيًا بدراسة الكتاب العربي في أطواره: مخطوطًا، ومطبوعًا، ومرقمنًا. ودُشِّن كرسي الألكسو للصنائع في مقر المنظمة العربية في تونس منتصف شهر مايو الماضي.

وفي السياق نفسه، وجّهت عنايتها إلى صون التراث المخطوط وتفعيله معرفيًّا؛ فاحتضن المركزُ -الذي يحفظ نحو ثلاثين ألف عنوان مخطوط- يوم المخطوط العربي للمرة الأولى في المملكة والخليج، تكريمًا لمن أسهموا في حفظ هذا الإرث وتفعيله ثقافيًّا، بما يجعل المخطوط ذاكرةً حيّة لا مادةً متحفية ساكنة. ومن هذا الباب أيضًا يأتي "متحف الفيصل للكتاب والصنائع العربية الإسلامية" الذي أنشأته الأميرة مها الفيصل وكتبت بيانه التأسيسي، فالمتحف -في رؤيتها- يستعيد المعنى الذي يسكن خلف الأثر.

متحف الفيصل للكتاب والصنائع العربية الإسلامية
متحف الفيصل للكتاب والصنائع العربية الإسلامية

وهنا تكتمل صورة الأميرة مها بنت محمد الفيصل؛ فهي لم تأت إلى الثقافة من موقع النسب وحده، وإنما جاءت من تربية طويلة على الكتاب والصنائع واللغة والثقافة العربية الممتدة، ومن تجربة أدبية تشكلت في الرواية والخيال، ومن تأمل فكري في معنى الحضارة والهوية. أخذت من الملك فيصل معنى الرسالة الوطنية والإشعاع الإنساني، ومن الأمير محمد الفيصل ذائقة الفن العربي والكتاب المخطوط، ومن عبدالرحمن عزّام باشا سؤال العروبة، ومن خالد القرقني معنى الاستقلال الثقافي، ثم صاغت من ذلك كله مشروعًا معرفيًا يحاور حداثات زماننا.

عبدالرحمن عزام باشا إلى جوار الأمير -حينها- فيصل بن عبدالعزيز
عبدالرحمن عزام باشا إلى جوار الأمير -حينها- فيصل بن عبدالعزيز

وحين نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه -حرج الكتابة عمّن نعمل في ظلاله- ندرك أنّ الإنصاف هنا ليس قُربى ولا مجاملة، وإنما اعترافٌ بسيرةٍ جعلت من الثقافة نسبًا، ومن الكتاب والمخطوط والصنعة والمرويّة امتدادًا للدم. فالنسب في سيرة الأميرة مها لا يقف عند كرامة المحتد، وإنما يمتدّ خيطًا هادئًا يصل البيت بالمؤسسة، والذاكرة بالفعل، والتاريخ بالمستقبل. ومن هنا تكون مها الفيصل بالفعل تجسيدًا حيًّا لعنوان المقال وانتقالًا من ثقافة النسب إلى نسب الثقافة.

الأقسام
author-img
د. عبدالرحمن خالد الخنيفر

إستكشاف المزيد

تعليقات

      ليست هناك تعليقات
      إرسال تعليق

        نموذج الاتصال