حين يستحيل النُّبل الإنساني معرفةً
*يُنشر هذا المقال بمناسبة تولي خوسيه ميغيل رئاسة كرسي تميم بن حمد للغة العربية والتراث الأندلسي بجامعة غرناطة
ثمَّة
صورٌ متخيَّلة ذات طابع رومانسي لا تفارقنا عن بعض رجالات ونساء المعرفة في التراث
العربي، تُساق إلينا لبيان فضل العلم، حين يكون غايته تهذيب النفس وتزكيتها
وتأهيلها لملكوت الإحسان. تلك الصور كانت وقود طلب العلم في التقليد العربي، فتساق
أمثلة الانقطاع لطلب العلم وصور الجَلَد في طلبه وتحصيله لتحفيز الطلاب في كل
جيلٍ.
ومع
مرور الزمن، وتوقّد الملكة النقدية، والركون للدنيا، وانقطاع الصلة بين الطبقات،
تتآكل هذه الصورة الرومانسية عن الأشياخ والأساتذة والمعلمين، خصوصًا مع اتساع
المطالعة في كتب التراث، والوقوف على بعض أخبار طرد الأساتذة للطلاب، وتسميم
الأطباء لبعض الخلفاء والقادة، والاعترافات المتأخرة لبعض العلماء أنهم طلبوا
العلم لدنيا يصيبونها، والهمز واللمز بين المؤلفين والذي يساق تبريره بما يجري بين
الأقران على سبيل العادة، فـ"المعاصرة حجاب" كما يقال.
يتزايد
الشك وتتآكل الثقة في أخلاقيات المتعلمين، مع ما يراه المرء في مراحله الدراسية من
فضاضة، تدفع المرء لتجديد سؤال الأخلاق ومدى صلتها بالعلم والمعرفة؟ هل يجعل العلم
صاحبه أرقّ نفسًا، أم يمنحه أدوات جديدة للعلو؟
مع
وجود قامات علمية وأخلاقية سامقة كانت نبراسًا للسمو الإنساني داخل مقاعد الدرس
وخارجها، ما زال المرء يحن لتلك المجالس. ولطالما حاول استعادتها دون إمكانية،
فاكتفى بحديث الذكريات، أخص منهم أستاذتنا: عبدالله بن حمد العويسي، والمرحوم أحمد
بن عبدالله الحسيني (الزغيبي)، ومحمد بن عبدالعزيز العميريني.
على
الضفة المقابلة لذلك، هناك من ولِد نبيلًا، تخلَّق في مشيمته على المُروءة والشمم
والعطاء، لا يستطيع الانفكاك عنها، فالنُبل حالته الطبيعية، وهي مسلكه بالعادة لا
التعود. وهؤلاء منهم الأمراء والعلماء والباحثون والأطباء وقادة الجند، ومتصوفة
وباعة وتجار، فالنبالة هنا نبالة أخلاق لا نسب ممتد.
هذا
المثال الإنساني، لطالما سعيت لمطاردته والبحث عنه في صفحات الكتب وصور الواقع،
وكنت أتحين الفرص لأرى كيف يكون النُبل حين ينغمس في العلم، فيستحيل معرفةً
وتعاملًا إنسانيًا؟ وقد أدركت بعض هؤلاء القوم، داخل المملكة وخارجها، من الأمراء
والعلماء والأدباء والأساتذة، وهم من أشرفُ بالكتابة عنهم بين الحين والآخر،
مدفوعًا بدافع المحبة والارتباط النفسي بمكارمهم، رحم الله من أفضى إلى ربه، وألبس
بقيتهم لباس الصحة والعافية.
بدأت
علاقتي بالاستعراب الإسباني من حديث الراحل عبدالرحمن بدوي [ت٢٠٠٢م] في
"موسوعة المستشرقين" عام ٢٠٠٦م تقريبًا. هناك انفتح أمامي باب لفهم
كيفية تعاطي المستشرقين للمعرفة التراثية يعزّ نظيره. فالاستعراب الإسباني، في
أعماقه، كان عودة إسبانية شاقة إلى طبقة من الذاكرة: الأندلس، والثقافة العربية،
والحمراء، وقرطبة، والشعر المنقوش على الجدران، ومسلمة المجريطي وابن مسرّة وابن
طفيل، والكتب التي عبرت البحر والقرون.
كنت
أقرأ بدوي وهو يتتبع أسماء تلك المدرسة، من باسكوال دي غايانغوس [ت١٨٩٧م]،
وفرانسيسكو كوديرا [ت١٩١٧م]، وخوليان ريبيرا [ت١٩٣٤م]، إلى ميغيل آسين بلاثيوس
[ت١٩٤٤م]، وإميليو غارثيا غوميث [ت١٩٩٥م]،
وكنت أشعر أن الاستعراب الإسباني يقف في موضع دقيق بين الإعجاب والتوثيق
والجدل؛ بين الحنين إلى الأندلس ومحاولة إدخالها في سؤال الهوية الإسبانية
في
هذا السياق، يمكن أن يُقرأ صاحبنا خوسيه ميغيل بويرتا، فهو لا ينتمي إلى الاستعراب
الإسباني بوصفه وريثًا خامدًا لتقليد قديم، وإنما بوصفه مجددًا له. وإذا كان كثير
من المستعربين الإسبان الأوائل قد وقفوا عند النصوص، والمخطوطات، والشعر، فإن
خوسيه ميغيل مضى إلى منطقة أخرى: إلى الفن، والجماليات، والخط، والنقوش، والعمارة
الناطقة. لقد وسّع معنى النص العربي، فقرأ ما يُنقش على الجدار، وما ينساب في
الماء، وما يتوزع في فضاء القصر، وما تصنعه الكلمة حين تتحول إلى زخرفة ومعمار.
تعرفتُ على خوسيه عن طريق الصديق العزيز الأستاذ الدكتور مراد الريفي، خلال مشاركتي في الإعداد للدورة الثالثة من أيام المرويّة العربية بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وكانت تلك الدورة منشغلة بسؤال الفن العربي الإسلامي، وبمحاولة قراءة الجمال من داخل منطقه الحضاري.
منذ
اللحظة الأولى، بدا خوسيه مختلفًا. رجلٌ هادئ، صافي النفس، قريب من محدِّثه،
يُحدّثك برحيق العلم وكأنك تستمع لحكايا صديق قريب، لا أستاذٍ جامعي، فضلًا عن عضو
في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة.
![]() |
| خوسيه بعد دخوله الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة عام ٢٠١٧م |
عمل أمينًا ومديرًا لمكتبة دُرْكال، ومترجمًا في الخدمة العربية بوكالة الأنباء الإسبانية، ثم ارتبط بقسم تاريخ الفن في جامعة غرناطة، حتى صار أستاذ كرسي فيه. وهذا المسار يشرح جانبًا من شخصيته: فهو ابن مكتبة، وابن لغة، وابن مدينة، وابن أثر. ومن جمع هذه الجهات الأربع، لا يقرأ "قصر الحمراء" قراءة السائح الماضي. وإذا ما أردنا اختصار مشروع خوسيه العلمي في عبارة واحدة فهو: قراءة الجمال العربي الأندلسي من داخل إبداع صانعيه.
لهذا
تبدو أعماله الكبرى في مشروع واحد، من كتابه المبكِّر عن "شفرات اليوتوبيا في
حمراء غرناطة"، إلى عمله الضخم "تاريخ الفكر الجمالي العربي: الأندلس
والجماليات العربية الكلاسيكية"، إلى "مغامرة القلم: تاريخ الخط العربي
وفنّانيه وأساليبه"، و"قراءة الحمراء من خلال نقوشها"،
و"شعرية الماء في الإسلام،" و"المعنى الفني لقرطبة"، وكتابه
عن "مسجد قرطبة: قبة الإسلام في الأندلس". وهنا تتضح فرادة خوسيه، فقد
نقل الاستعراب الغرناطي من مركزية النص المكتوب إلى مركزية النص المنقوش في
المكان.
كما
شارك أيضًا في إدارة وتحرير موسوعة مكتبة الأندلس في تسعة مجلدات بين عامي
٢٠٠٣-٢٠١٣م بمشاركة نحو ١٥٠ باحثًا متخصصًا. ونال في ميدان الترجمة تقديرًا يليق
بمسيرته، من ذلك الجائزة الأندلسية للترجمة عام ٢٠٠٨م، ثم جائزة الشيخ حمد للترجمة
والتفاهم الدولي في فرع الإنجاز عن مسيرته في العربية والإسبانية عام ٢٠٢٣م.
ومما
يبعث السرور أن مشروع خوسيه وصل إلى القارئ العربي في السنوات الأخيرة. فقد صدر عن
مؤسسة الفكر العربي ترجمةُ جزء من كتابه تحت عنوان "الجماليّة في الفكر
الأندلسي"، وهو عمل يفتح أمام القارئ العربي بابًا مهمًا لفهم الجماليات
الأندلسية من خلال ابن حزم، وابن باجّة، وابن طفيل، وابن رشد، وابن عربي، وابن
خلدون، والحمراء. كما صدر له، بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المانع،
كتاب "رياض الشعراء في قصور الحمراء"، من جائزة الملك فيصل، في عمل يعيد
وصل الشعر المنقوش على جدران الحمراء بمواضعه وسياقه وجمالياته.
![]() |
| خوسيه حيث يجد نفسه دائمًا "قصر الحمراء" |
ولعل
أجمل ما في خوسيه أنه لا يفعل هذا الفعل المعرفي بنبرة استحواذ، ولا ببرودة
أكاديمية، وإنما يفعل ذلك بمحبة. تشعر أنه لا يريد أن يأخذ الأندلس من أهلها، ولا
أن يحبسها في متحف أوروبي، وإنما يريد أن يجعلها فضاءً مشتركًا للفهم والإنصات.
وهذا هو الفرق بين معرفة متعالية ومعرفة نبيلة: الأولى تشرح الأشياء من فوق،
والثانية تقترب منها برفق.
في
الاستعراب الإسباني القديم كانت الأندلس جرحًا وسؤالًا. أما عند خوسيه ميغيل، فهي
معمل للصنائع، ليست الحمراء عنده أثرًا من آثار الهزيمة أو الحنين، وإنما شهادة
على أن الحضارة تستطيع أن تجعل الكلمة قصرًا، والماء قصيدة، والجدار كتابًا، والخط
طريقًا إلى المطلق
وحين
أنظر إلى سيرته من هذه الزاوية، أراه امتدادًا جديدًا لذلك الخط الذي قرأه المأسوف
عليه عبدالرحمن بدوي في المدرسة الإسبانية. غير أن عزيزي خوسيه لا يستعيد الأندلس
من باب الجدل اللاهوتي، ولا من باب التأثير والتأثر فقط، وإنما من باب الجمال. ومن
باب الجمال تحديدًا يصبح أقرب إلى قلوبنا؛ لأن الجمال أقدرُ على جمع المختلفين حول
شيء لا يحتاج دائمًا إلى برهان، فمجرد الصمت في حرم الجمال جمالٌ، فكيف بحديث
العالِم المشتاق؟
![]() |
| خوسيه بجوار مخطوطتين مورسكيتين نادرتين في معرض أسفار بمركز الملك فيصل |
بعد انتهاء أيام المرويّة العربية، قادنا الزملاء لجولة في مركز الملك عبدالله المالي، وكان المترو أسرع الطرق إلى هناك، وكانت فرصة سانحة لاستكشاف انطباعات زائر من شبه الجزيرة الإيبيرية عن قلب الجزيرة العربية، سألت خوسيه عن انطباعه عن مدينة الرياض، فأخبرني أنها ليست زيارته الأولى، وأن إحدى زياراته السابقة ارتبطت بدراسة قصر الحمراء في الرياض؛ تلك المحاكاة التي تستحضر في قلب نجد شيئًا من ذاكرة غرناطة. وقد أُنجزت في الرياض نسخة تحاكي قصر الحمراء في غرناطة، مع عناصر معمارية مستلهمة من الرخام والنوافير والأعمدة، في مشروع بدأ في أواخر التسعينيات الميلادية.
![]() |
| جانب من قصر الحمراء بالعاصمة الرياض |
وهكذا
يعود العنوان إلى معناه الأول: "حين يستحيل النبلُ الإنساني معرفةً"، لا
يغدو العلم جمعًا للوقائع وحدها، ولا تصبح الأندلس أثرًا بعيدًا في الذاكرة؛ وإنما
يصبح الإنسان نفسه طريقًا إلى الفهم، وتصير المعرفة، في أجمل وجوهها، شكلًا من
أشكال النُبل.










تعليقات
إرسال تعليق