شريط المقالات

بعد الإسكندرية وبيروت والشارقة والرباط.. هل آن للرياض أن تصبح عاصمة عالمية للكتاب؟

 بعد الإسكندرية وبيروت والشارقة والرباط.. 
هل آن للرياض أن تصبح عاصمة عالمية للكتاب؟

 

هل آن للرياض أن تصبح عاصمة عالمية للكتاب؟

تمهيد: يومٌ يحقُّ للعرب أن يفرحوا به

في الثالث والعشرين من أبريل من كل عام، تحتفي اليونسكو بالكتاب باعتباره جسرًا بين الأزمنة، وصوتًا عابرًا للغات، وذاكرةً مفتوحة بين الشعوب. وقبل عدة أيام احتفلت العاصمة المغربية (الرباط) باعتبارها عاصمةً عالميةً للكتاب لعام ٢٠٢٦م، بعد أن حمِلت ريو دي جانيرو اللقب في عام ٢٠٢٥م.

وإذا تأملنا الحضور العربي في هذا البرنامج، نجد أنه استفتح بالإسكندرية خير استفتاح (٢٠٠٢م) ثم ببيروت (٢٠٠٩م) فالشارقة (٢٠١٩م)، قبل أن يحطَّ رحاله في الرباط مؤخرًا. نحن إذن أمام لحظة عربية ذات دلالة خاصة. فهذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها اللقب مدينةً من المغرب العربي، بما يجعل خبر الرباط أوسع من كونه شأنًا مغربيًا خالصًا. إنه مناسبة ثقافية عربية، تستحق أن تُقرأ بوصفها اتساعًا في جغرافيا الكتاب العربي، وانتقالًا رمزيًا للمعرفة من مشرق العالم العربي إلى مغربه، ومن ضفاف المتوسط القديمة إلى عاصمة حملت عبر تاريخها وجوهًا متعددة من السياسة والثقافة والعمران.

الرباط أول مدينة من المغرب العربي تدخل سجل العواصم العالمية للكتاب

الرباط: أول مدينة من المغرب العربي تدخل سجل العواصم العالمية للكتاب

 

وأجمل ما في هذا المناسبة بالنسبة لي، نيل عاصمة الفكر والتراث الرباط لهذا الاستحقاق المتأخر، وتزامنها مع تدشين أول كرسي من نوعه للكتاب العربي في العالم العربي بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، بحضور نوعي من المغرب العربي.

وبما أننا في المشرق العربي في موقع المتفاعل مع هذه المناسبة السعيدة، فمن اللائق ثقافيًا أن نتأمل معنى أن تكون مدينة ما عاصمة عالمية للكتاب؟ وهل ولدت هذه الفكرة مع اليونسكو وحدها، أم أن التاريخ عرف مدنًا أدَّت هذا الدور قبل أن يُمنح لها الاسم؟

 

قبل أن تصوغ اليونسكو اسمها

قبل أن تظهر عبارة "العاصمة العالمية للكتاب" في مطلع هذا القرن، كانت الإنسانية قد عرفت مدنًا نهضت بهذه الوظيفة فعليًا، وإن لم تحمل اللقب. فقد كانت أثينا، على سبيل المثال، أكثر من مدينةٍ عرفت الفلسفة بمعناها الاصطلاحي وسارعت إلى تدوينها رغم ضياع مئات الرسائل والمؤلفات في ذلك الزمن؛ كانت أثينا فضاءً لكثير من الأفكار التي ستسافر لاحقًا في الكتب لعدة ثقافات، وتنال منها منزلة الهيمنة. ويؤكد ول ديورنت (ت:١٩٨١م) أن عددًا كبيرًا من الأفكار الفلسفية والأدبية والفنية للحضارة للغربية انطلقت أو تطورت من أثينا، كما أن المطالع لكتاب "سير مشاهير الفلاسفة ومذاهبهم وأقوالهم" لديوجين اللائرتي (توفي في القرن الثالث الميلادي) سيجد قائمة بكتب ظهرت في القرن الرابع قبل الميلاد مع المدارس الفلسفية. وبهذا المعنى، يمكن القول إن أثينا كانت عاصمة مبكِّرة للكتاب.

مكتبة الإسكندرية: العلامة الأبرز في اختيار المدينة عاصمة عالمية للكتاب مطلع الألفية الثالثة

مكتبة الإسكندرية: العلامة الأبرز في اختيار المدينة عاصمة عالمية للكتاب مطلع الألفية الثالثة

 

ثم جاءت الإسكندرية، وهناك تقترب صورة "مدينة الكتاب" من اكتمالها. فمكتبتها الكبرى كانت مشروعًا حضاريًا لجمع معرفة العالم القديم، وتصنيفها، وترتيبها، وصناعة تقليد علمي متصل بالدرس والبحث، وكان لها فهرس معروف ضاع في غوائل الزمن. وتصفها اليونسكو بأنها من أوائل المراكز العالمية للفنون والعلوم. لذلك لم يكن غريبًا أن تعود الإسكندرية إلى سجل اليونسكو في عام ٢٠٠٢م، إذ رأت المنظمة في إعادة افتتاح مكتبتها الجديدة في أكتوبر من العام نفسه، سببًا رئيسيًا لاختيارها، لما مثَّلته تلك العودة من وصلٍ جديد بين المدينة وفعل القراءة؛ بوصفها أثرًا تاريخيًا ومعاصرًا حيًّا.

ولم يقف مسار الكتاب عند المتوسط اليوناني والمصري، فبغداد العباسية انتقل إليها مركز الثقل الحضاري منتصف القرن الثالث الهجري بفضل حركة الترجمة التي نقلت المعارف اليونانية والفارسية والهندية للغة العربية، بما يتجاوز أربعمئة نص مترجم تقريبًا.

المدرسة المستنصرية في بغداد؛ شاهدٌ معماري على مدينةٍ جعلت الترجمة والعلم جزءًا من مجدها العباسي

المدرسة المستنصرية في بغداد؛ شاهدٌ معماري على مدينةٍ جعلت الترجمة والعلم جزءًا من مجدها العباسي

 

ثم عبرت هذه المعرفة إلى الأندلس، حيث ازدهرت قرطبة بأسواق الوراقين ومكتباتها، قبل أن تصبح طليطلة، عبر مدرسة المترجمين، معبرًا حاسمًا في انتقال كثير من العلوم العربية إلى العبرية واللاتينية. وما يبدو في ظاهره انتقالًا من مدينة إلى أخرى، كان في حقيقته انتقالًا في مراكز المعرفة نفسها: مدينة تنتج النص، وأخرى تشرحه، وثالثة تترجمه، ورابعة تعيد بثّه في حضارة جديدة.

 

من يومٍ للكتاب إلى مدينةٍ للكتاب

إذا كانت الحضارة قد عرفت عواصم فعلية للكتاب قبل أن تسميها، فإن اليونسكو هي التي نقلت هذا الحدس الثقافي إلى برنامج عالمي واضح المعالم. وقد سبق ذلك تمهيد طويل؛ ففي عام ١٩٧٢م أعلنت المنظمة السنة الدولية للكتاب تحت شعار "كتب للجميع".

ثم جاء إعلان اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، الذي أقرّته اليونسكو في عام ١٩٩٥م. ولم يكن اختيار الثالث والعشرين من أبريل مصادفة عابرة؛ فقد ربطت اليونسكو هذا اليوم بذكرى أدبية كبرى تعود إلى عام ١٦١٦م، حين غاب عن العالم ثلاثة من رموزه: ميغيل دي ثربانتس، ووليم شكسبير، وإنكا غارثيلاسو دي لا فيغا.

ثم جاءت الذاكرة الشعبية الكتالونية لتمنح هذا التاريخ نكهته الإنسانية الخاصة؛ ففي عيد سان جوردي، الموافق للثالث والعشرين من أبريل، استقر تقليد إهداء الوردة بوصفها علامة محبة، ثم انضم إليها الكتاب في عشرينيات القرن العشرين (١٩٢٦م) مع نشوء يوم الكتاب في إسبانيا، حتى صار اليوم في كتالونيا مشهدًا واحدًا يجمع بين كتابٍ يُهدى بوصفه علامة معرفة، ووردةٍ تُهدى بوصفها علامة محبة. ومن هذا التلاقي بين الأدب والوجدان، بين الذاكرة العالمية والعادة الشعبية، وجدت اليونسكو ما يسند إعلانها عام ١٩٩٥م للثالث والعشرين من أبريل يومًا عالميًا للكتاب وحقوق المؤلف حيث تجتمع القراءة والاحتفاء والحب في مشهد ثقافي واحد.

في عيد سان جوردي يلتقي الكتاب بالوردة؛ معرفةٌ تُهدى ومحبةٌ تُقرأ في مشهد واحد

في عيد سان جوردي يلتقي الكتاب بالوردة؛ معرفةٌ تُهدى ومحبةٌ تُقرأ في مشهد واحد

 

ولا أعلم، هل اقتبس نزار قباني (ت:١٩٩٨م) مطلع قصيدته "يا تونس الخضراء" في مهرجان قرطاج عام ١٩٨٠م منها أم لا ؟ حين قال:

يا تونس الخضراء جئتك عاشقًا .. وعلى جبيني وردة وكتاب

 

المهم -بعد ذلك- أن مدريد كانت أول مدينة تحمل لقب (العاصمة العالمية للكتاب) عام ٢٠٠١م، إذ تذكر اليونسكو أن العاصمة الإسبانية هي التي أخذت مبادرة ابتكار هذا اللقب وإطلاق فعالياته الأولى.

هكذا انتقل الاحتفاء من الكتاب بوصفه موضوعًا إلى المدينة بوصفها بيئةً حاضنة له. وهذا التحول بالغ الأهمية؛ لأن المدينة، بخلاف المناسبة العابرة، قادرة على جمع المدرسة والناشر والمكتبة والمترجم والجامعة والحي وسوق القراءة والمنصة الرقمية في مشهد واحد. فالكتاب لا يعيش في المعارض وحدها، ولا في رفوف المكتبات وحدها، وإنما في شبكة كاملة من العادات والمؤسسات والحقوق واللغات.

 

واليوم تؤكد اليونسكو أن البرنامج، الذي بدأ في عام ٢٠٠١م، بعد ربع قرن، يكرِّس مدنًا تعمل على تعزيز محو الأمية، والتعلم مدى الحياة، وحماية حق المؤلف. كما أعيد إطلاق البرنامج في عام ٢٠٢٣م بوصفه شبكة لا مجرد سلسلة ألقاب سنوية، مع تركيز أوضح على الاستمرارية، والتنوع اللغوي، والترجمة الأدبية، والتعاون بين المدن من عام إلى آخر.

 

العرب في سجل اليونسكو: أكثر من حضور رمزي

عندما نعود إلى المدن العربية التي دخلت هذا السجل، نلاحظ أن كل مدينة وصلت إليه من باب مختلف. ف(الإسكندرية) دخلت من باب الذاكرة الكبرى للمكتبة، ومن خلال استعادة العلاقة بين المدينة وميراثها المعرفي العميق. أما (بيروت) فدخلت من باب هويتها الثلاثية التي صاغتها اليونسكو بعبارة لافتة: "بيروت تقرأ، بيروت تكتب، بيروت تنشر". وقد دار برنامجها حول الكتاب بوصفه حاملًا للثقافة، وحول مهن الكتاب، وتشجيع القراءة والكتابة، وحفز الشباب على القراءة، إلى جانب المعارض والندوات والترجمة وحقوق المؤلف.

أما (الشارقة) فقد نالت اللقب بفضل الطبيعة الابتكارية والشاملة لملفها، وبسبب تركيزه على المجتمع بجميع فئاته، بما في ذلك المقيمون، وعلى جعل القراءة أداة للاندماج والإدماج. ثم جاءت (الرباط) من باب آخر: التنمية الأدبية، وتمكين النساء والشباب عبر القراءة، ومكافحة الأمية، وتعزيز الوصول إلى الكتاب.

هذا التنوع العربي في مسارات الوصول إلى اللقب يكشف أن "مدينة الكتاب العالمية" ليست وصفة واحدة، وإنما إمكانات متعددة لجوهر واحد. فكل مدينة تمنح الفكرة ملامحها الخاصة، وتضيف إلى معنى الكتاب بعدًا من ذاكرتها ومؤسساتها ومجتمعها، تستحق هذا اللقب.

ولهذا فإن الفرح العربي بالرباط ينبغي أن يكون أعمق من تبادل المباركات بيننا وبين الإخوة والأخوات هناك، فالمغرب هنا لا يمثل نفسه وحده وإنما يمثل كل العرب، كما أن الإسكندرية لم تكن تمثل نفسها وحدها، ولا بيروت ولا الشارقة. كل مدينة عربية تدخل هذا السجل تعيد طرح السؤال القديم نفسه: هل لا يزال الكتاب قادرًا على أن يكون ركيزة في تعريف المدينة العربية الحديثة؟ أم أن المدن صارت تُعرّف بالمال والعمران والترفيه وحدها؟

 

الرياض: من مدينة تستضيف الكتاب إلى مدينة تصير به

هنا يبدأ سؤال الرياض. وهو سؤال لا يحسن أن يُطرح على هيئة مفاضلة سريعة بين العواصم، ولا كرغبة عابرة في لقب دولي. فاليونسكو، في جوهر برنامجها، لا تبحث عن مدينة تبيع الكتب فقط، ولا عن مدينة تنظم معرضًا كبيرًا للكتاب منذ نصف قرن (١٩٧٨م) ثم تطوي الصفحة. إنها تبحث عن مدينة تجعل القراءة والكتابة حقًا اجتماعيًا واسعًا، وتربط الكتاب بمحو الأمية الثقافية، والتعلم مدى الحياة، وحق الوصول إلى المعرفة.

ومعنى ذلك أن الاستحقاق هنا نضجٌ مدني وفعل اجتماعي. هل أصبحت القراءة جزءًا من الحياة اليومية؟ هل تحوّلت المدينة إلى شبكة حيّة تجعل من المعرفة ممارسة عامة؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل الحديث عن الرياض جادًا، وتمنحه ما يحتاجه من عمق.

جناح مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في معرض الرياض للكتاب؛ حضور مؤسسي يربط التراث بالقراءة المعاصرة

جناح مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في معرض الرياض للكتاب؛ حضور مؤسسي يربط التراث بالقراءة المعاصرة

 

والحقيقة أن الرياض اليوم تملك كثيرًا من المقومات والبنية التحتية اللازمة لهذا الاستحقاق؛ فمن الناحية الثقافية، تقف المدينة على تقليد راسخ في تنظيم معرض دولي للكتاب يمتد حضوره إلى نحو نصف قرن، وتقدمه حاليًا هيئة الأدب والنشر والترجمة. والهيئة نفسها، التي أُنشئت في فبراير ٢٠٢٠م، تعمل على تطوير قطاعات الأدب والنشر والترجمة، وصناعة بيئة إبداعية حاضنة، ودعم حركة الترجمة، وتمكين الناشرين والمؤلفين والمترجمين، بما يجعل الكتاب حاضرًا في السياسات الثقافية والمنظومة المعرفية.

مبادرة ترجم أهم مبادرة للترجمة في تاريخ المؤسسات الثقافية السعودية

مبادرة ترجم أهم مبادرة للترجمة في تاريخ المؤسسات الثقافية السعودية

 

وقد تجلّى ذلك في سلسلة من البرامج والمبادرات التي وسّعت حضور الكتاب خارج المعرض السنوي؛ فهناك مبادرة "الشريك الأدبي" التي حوّلت المقاهي إلى فضاءات للقاء الأدبي والحوار والقراءة، ومبادرة "ترجم" التي فتحت مسارات أوسع لنقل المعرفة من العربية وإليها، ودعم ترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم، ومبادرة "الكتاب للجميع" التي تسعى إلى تسهيل اقتناء الكتاب وتوسيع منافذ وصوله إلى مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك منصة "قارئ" الموجهة لتيسير النفاذ إلى المصنفات المنشورة للمكفوفين وذوي الإعاقة البصرية. وإلى جانب ذلك، يأتي برنامج النشر الرقمي، وحاضنة الكتّاب، وبرامج تدريب الناشرين ودعم الطباعة ومسرعات أعمال النشر، لتؤكد أن الرياض تراهن على بنية متنامية لصناعة الكتاب: تأليفًا، ونشرًا، وترجمة، وتوزيعًا، وقراءة.

وبموازاة ذلك، تعرّف هيئة المكتبات رسالتها في جعل المكتبات رافدًا ثقافيًا مهيأً لجميع أطياف المجتمع، ومصدرًا للثقافة، وموطنًا للقراءة. وتمتد مشاريعها إلى المكتبة الرقمية، والبيوت الثقافية، والمكتبات المتنقلة. وحين تجتمع هذه العناصر، فإنها تصنع حدثًا ثقافيًا كبيرًا يجعل الرياض مدينة دائمة للكتاب.

مكتبة الملك فهد الوطنية في قلب الرياض؛ مؤسسة تحفظ ذاكرة النشر السعودي وتمنح المدينة عمقها الثقافي

مكتبة الملك فهد الوطنية في قلب الرياض؛ مؤسسة تحفظ ذاكرة النشر السعودي وتمنح المدينة عمقها الثقافي

 

ويزداد هذا المعنى رسوخًا حين ننظر إلى المؤسسات التي تمنح المدينة عمقها الهادئ. ففي الرياض مكتبة الملك فهد الوطنية بما تمثله من حضور مؤسسي ومرجعي في المجال الوطني، وفيها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة التي تأسست عام ميلادي (١٩٨٥م)، وافتتحت عام ١٩٨٧م، وتعرُّف نفسها بوصفها مؤسسة تُعنى بالكتاب، وحفظ التراث، وصناعة المعرفة، والتواصل الحضاري. ومن مشروعاتها المشروع الوطني لتجديد الصلة بالكتاب، الذي يضم مهرجان القراءة الحرة، والمكتبة المتنقلة، ومصادر التعلم المتنقلة، وهنا اعتراف ثقافي مستحق لأبي عبدالرحمن معالي الأستاذ فيصل بن معمّر على حضوره الفاعل فيها طوال العقود الأربعة الماضية.

ويضاف إلى ذلك مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، الذي أُنشئ عام ٢٠٢٠م، ومن أهدافه إحياء تراث العربية بالدراسة والتحقيق والنشر، ونشر استعمالها، وتطوير مراجعها ودراساتها، إلى جانب برامجه في تعليم العربية لغير الناطقين بها. وهذه البرامج خيوط أساسية تجعل الكتاب في الرياض متصلًا باللغة، واللغة متصلة بالهوية، والهوية مفتوحة على العالم.

وغني عن القول، احتضان الرياض لأكبر مركز ثقافي خاص، يمتلك أكبر عدد من العناوين المخطوطة للكتاب العربي، بما يقارب ثلاثين ألف عنوان، فضلًا عن نصف مليون مادة مكتبية، ومئات الإصدارات المطبوعة، أعني مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

ومع ذلك، لا تُحسم المسألة بمجرد توافر المؤسسات. فالمدينة لا تصبح عاصمة للكتاب حين تكثر فيها المباني المرتبطة بالمعرفة، وإنما حين يتحول الكتاب إلى عادة مدنية. حين يجد القارئ الصغير مكانه الطبيعي في الخريطة الثقافية. وحين تُصان صلة المؤلف بحقه، وصلة القارئ بلغته، وصلة الترجمة بأفقها الإنساني. وحين لا يكون معرض الكتاب استثناء سنويًا، وإنما ذروة لتيار حي يجري أصلًا في المدارس والمكتبات والمقاهي والجامعات والمنصات الرقمية.

 

عند هذه النقطة يصبح سؤال الرياض سؤالًا ثقافيًا حقيقيًا، وتصبح الرياض مستعدة لنيل اللقب.

 

خاتمة: هل آن أوان الرياض؟

بعد الإسكندرية وبيروت والشارقة، وبعد أن دخلت الرباط هذا السجل باسم المغرب العربي كله، يبدو سؤال الرياض مشروعًا لا متعجلًا. لكنه يظل سؤال استحقاق، لا سؤال رغبة. فالرياض لا تحتاج إلى أن تثبت أنها مدينة قادرة على تنظيم حدث كبير؛ لقد تجاوزت هذا الامتحان. ما تحتاج إليه هو التذكير ثم المضي إلى العالم بأنها صارت مدينة يمكن أن يُقرأ عمرانها وثقافتها ومؤسساتها ولغتها بوصفها مشروعًا واحدًا للكتاب.

فإذا نجحت في ذلك، فلن يكون اللقب منحة خارجية، وإنما تسمية متأخرة لواقع سبقها. وحينها يمكن أن نقول، بلا مبالغة ولا مجاملة: نعم، قد آن للرياض أن تنتقل من مدينة تستضيف الكتاب إلى مدينة تصبح، في شيء من معناها العميق، عاصمةً له.

الأقسام
author-img
د. عبدالرحمن خالد الخنيفر

إستكشاف المزيد

أنت تشاهد أحدث مقال

تعليقات

      ليست هناك تعليقات
      إرسال تعليق

        نموذج الاتصال