مستقبل الثقافة السعودية بعد عقدٍ من الرؤية: سؤال ما بعد التأسيس
تمهيد: كيف صار "مستقبل الثقافة" سؤالًا مجتمعيًا؟
يحسُن
بنا أن يبدأ سؤالنا من لحظة عربية مبكِّرة قبل نحو تسعين عامًا، حين وضع المأسوف
عليه طه حسين (ت:١٩٧٣م) كتابه الشهير "مستقبل الثقافة في مصر" في
مجلدين، في يوليو ١٩٣٨م، ففتح به أحد أكثر النقاشات عمقًا في تاريخ الفكر العربي
الحديث، وخاض معركته الثقافية الثانية بعد عقدٍ من الأولى. أثار طه حسين سؤال
الهوية الثقافية لمصر، وأقام لها صلاتٍ ممتدة بالتراث اليوناني والروماني، كما
وصلها بثقافة عصر النهضة الأوروبية وما بعدها، فعبَّد طريق الثقافة المصرية نحو
الشمال، وتأسَّف على موقف المسيحية والإسلام من الفلسفة بحسب مقاربته.
غير أنّ هذا الطرح لم يمر دون نقاش واسع؛ إذ استقبلته -معظم أو بعض- الأوساط الثقافية بتحفظ، ورأت فيه قطيعة عن الامتداد العربي الإسلامي لمصر، وهو ما دفع عددًا من المفكرين، أبرزهم وزير المعارف السورية ساطع الحصري (ت:١٩٦٨م)، إلى مناقشة هذه الرؤية بمقالاتٍ انتقادية متتابعة في مجلة "الرسالة"، ضمن حوار فكري يعكس حيوية تلك المرحلة وتعدد اتجاهاتها.
وأفاد الحصري أنّ سؤال "مستقبل الثقافة" سؤالٌ عالمي طرحه "المعهد الدولي للتعاون الفكري"، سلف اليونسكو، التابع لعصبة الأمم عام ١٩٣٣م، وهو ما لم يُشِر إليه طه حسين. ومنذ تلك المعركة الثقافية صار الحديث عن المستقبل الثقافي سؤالًا في صميم المشروع الحضاري، لا شأنًا يخص النخبة وحدها.
مشروعية سؤال مستقبل الثقافة السعودية
اليوم،
يدخل السؤال السعودي هذا الأفق، غير أنّ دخوله يأتي في لحظة أوضح من جهة المنجز،
وأشد إلحاحًا من جهة المآل؛ فبعد نحو عشرة أعوام على إطلاق رؤية المملكة ٢٠٣٠ في
أبريل ٢٠١٦م، وصدور القرار التاريخي بتأسيس وزارة الثقافة وزارةً مستقلة في يونيو
٢٠١٨م، وما تلا ذلك من بناء هيئاتٍ ومؤسساتٍ ثقافية متخصصة ومشروعات وأصول
ومبادرات أعادت الثقافة إلى قلب المجال العام، أصبح من الطبيعي أن يرتفع مستوى
السؤال نفسه؛ ذلك أنّ الثقافة في المملكة غدت جزءًا من البناء الوطني، وعنصرًا
ظاهرًا في صورة التحول العام الذي تشهده البلاد ويتفاعل معه المجتمع.
ولهذا
أيضًا فإن مشروعية السؤال اليوم لا تنبع من نقصٍ في المنجز، وإنما من اتساعه؛ لأن
المرحلة التي يُعاد فيها بناء المجال الثقافي على هذا النحو، وتُفتح فيها للفنون
والآداب والتراث والمعرفة مسارات مؤسسية جديدة -ونوعية على مستوى العالم العربي-
هي نفسها المرحلة التي تدعو إلى التأمل في طبيعة الأثر المراد من هذا كله. فليس
المقصود أن نُحصي ما أُنجز فحسب، وإنما أن نتساءل عن الوجهة المستقبلية لهذا
المنجز حتى يبلغ مداه الأعمق في العقد القادم بإذن الله تعالى، وأن يُهيأ لعصر
تكون فيه الرياضُ عاصمةً للثقافة العربية.
وفي
مثل هذه اللحظات ننظر للسؤال الأعمق المتصل بمدى قدرة هذا الحِراك على تحويل
الثقافة إلى بنية راسخة في حياة المواطن، يسعى إلى تحصيلها أدبيًا وفنيًا، بنيَّةٍ
قادرة على إنتاج قارئ، وناقد، ومترجم، وفنان، ومؤسسة، وذاكرةٍ عامة تحفظ المعنى من
التبدد.
حين أضحت الثقافة سؤالًا للأمم
حين
نعود إلى أوروبا الحديثة لا نجد أنَّ سؤال "مستقبل الثقافة" وُلد منذ
البداية بصيغته التي نعرفها اليوم، ولا نجد كذلك أنَّ مصطلح "الثقافة"
قد استقر في معناه الجامع. فالكلمة كانت متداولة في عدد من اللغات الأوروبية، غير
أنَّ مجالها الدلالي ظل يتشكل على مهل، حتى جاء إدوارد برنت تايلور (ت:١٩١٧م) فصاغ
في كتابه "الثقافة البدائية" عام ١٨٧١م تعريفه الشهير للثقافة بوصفها
ذلك "الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة، والمعتقد، والفن، والأخلاق،
والعرف، وسائر ما يكتسبه الإنسان من مجتمعه". أما قبل ذلك، فالسؤال الغالب لم
يكن: ما مستقبل الثقافة؟ وإنما كان أقرب إلى: كيف تتكون الأمّة من الداخل؟ كيف
تصوغ اللغة شعبًا قوميًا؟ كيف تبني المدرسة أخلاقًا مشتركة؟ وكيف يتحول التاريخ
إلى ذاكرة مشتركة تمنح الجماعة صورتها ومصيرها؟
وقد
ظهرت هذه البداية بوضوح في المجال الألماني. فكتب يوهان هردر (ت:١٨٠٣م) في كتابه "فلسفة للتاريخ من أجل تربية الإنسانية" عن اللغة، والأغاني الشعبية،
والذاكرة، والخيال التاريخي، بوصفها العناصر التي تتجسد فيها روح الشعب. ثم جاء
فيخته (ت:١٨١٤م) في نداءاته الشهيرة "خطابات إلى الأمة الألمانية" ليربط
مستقبل الأمة بإصلاح التربية، ويجعل بناء الإنسان مقدمة لازمة لبناء الدولة. وعلى
هذا النحو كان السؤال الألماني سؤال تكوين روحي وتربوي قبل أن يصير سؤالًا في
الثقافة بصيغتها المتأخرة.
وفي
فرنسا اتخذ المسار صورةً أخرى أكثر اتصالًا بالتعليم العام، والمواطنة، وبناء
الوجدان الجمهوري، فكتب كوندورسيه (ت:١٧٩٤م) حول "التعليم العمومي" فنظر
إلى التعليم بوصفه طريقًا إلى ترقية الإنسان والمجتمع معًا. وأكمل إرنست رينان
(ت:١٨٩٢م) في محاضرته الشهيرة "ما الأمة؟" معنى الذاكرة المشتركة في
العيش. وهكذا صار السؤال الفرنسي سؤالًا عن المدرسة التي تصوغ المواطن، والتاريخ
الذي يمنح الجماعة إحساسها بذاتها.
أما
الإنجليز، فقد اقترب سؤالهم من الثقافة نفسها، ويكفي أن نتذكر الناقد ماثيو أرنولد
(ت:١٨٨٨م) في كتابه "الثقافة والفوضى" لندرك أنّ لفظ
"الثقافة" كان قد دخل النقاش الأوروبي قبل عام ١٨٧١م، وأنه استُعمل في
تشخيص حال المجتمع ومآله. ولهذا لم يكن غريبًا أن تبلغ هذه المسارات، في
الثلاثينيات، مرحلة صار فيها "مستقبل الثقافة" و"مستقبل الروح
الأوروبية" عنوانين متداولة في مناقشات "المعهد الدولي للتعاون
الفكري"، وهو المعهد المعني بالثقافة قبل اليونسكو، والتابع لعصبة الأمم.
والنظر
في هذا التدرج الأوروبي لازم جدًا لفهم الحالة السعودية؛ لأن ما وصل إلى العالم
العربي من تعريفات للثقافة، كانت حصيلة تجربة تاريخية طويلة: بدأت بسؤال الأمة،
والتربية، واللغة، والذاكرة، ثم اتسعت حتى غدت سؤالًا في الثقافة نفسها: معناها،
وأزمتها، ومصيرها. ومن هنا يضعف أي حديث عن مستقبل الثقافة إذا اختزلها في قطاع
للفنون أو الآداب أو برنامج للمناسبات؛ إذ إن المستقبل الثقافي، بهذا المعنى،
يتعلق بالطريقة التي تبني بها الجماعة لغتها، وذاكرتها، وذوقها العام، وقدرتها على
أن ترى نفسها أمة لها صوتها الخاص بين الأمم.
الثقافة السعودية: من التهيؤ الطويل إلى اكتمال المنظومة الثقافية
كان
الطريق إلى الوزارة المستقلة ثمرة مسار طويل، فقد عرفت الثقافة السعودية، قبل أن
تستقر في بيتها الوزاري الخاص بالدرعية، طورًا توزعت فيه بين أكثر من مظلة،
وتعاقبت عليها مؤسسات متجاورة في الوظيفة، متباعدة في الطبيعة: من الأندية الأدبية
التي انطلقت في ظل الرئاسة العامة لرعاية الشباب منتصف السبعينيات الميلادية، إلى
"الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون" التي مثَّلت إطارًا مبكرًا
لرعاية الفنون والذائقة، ثم إلى المرحلة التي اقترنت فيها الثقافة بالإعلام في
جهاز واحد، قبل أن تتخذ صورة أكثر تركيزًا مع إنشاء "الهيئة العامة
للثقافة"، إلى أن انتهى هذا التدرج كله إلى وزارة مستقلة تجمع ما تفرَّق،
وتمنح العمل الثقافي اسمه السياسي والإداري الأوضح. وكان هذا التدرج شاهدًا على أن
الثقافة كانت، عبر العقود، تبحث عن مركزها الطبيعي في الدولة، وأنها ميدان أصيل من
ميادين البناء الوطني.
ولهذا
يحسن أن يُقرأ ما قبل الوزارة بوصفه زمن تهيؤ طويل، ففي تلك المرحلة كانت الثقافة
السعودية تصنع أدواتها على تمهل، مراعية ظرفًا زمنيًا حرجًا: منبرٌ هنا، وجمعية
هناك، ومهرجان، ومجلة، ومكتبة، وشبكة من الأفراد والجهات تحمل العبء قبل أن تتوحد
الراية. وكان المشهد متفرقًا أحيانًا، غير أنه ظل حيًّا متحركًا خصوصًا منذ منتصف
الثمانينيات الميلادية، وكانت حاجته الكبرى تتجه إلى المركز الجامع الذي يردّ
أطرافه إلى رؤية واحدة، حتى جاء قرار تأسيس الوزارة إعلانًا لاكتمال طور من أطوار
النضج؛ إذ انتقل ما ظل سنين طويلة موزعًا بين الرعاية والإشراف والتجميع إلى مقام
التخصيص والقيادة والرؤية.
ومنذ
تأسيس الوزارة في يونيو ٢٠١٨م، ثم إنشاء الهيئات الثقافية المتخصصة التابعة لها،
دخل العمل الثقافي في المملكة مرحلةً جديدة أكثر وضوحًا واتساعًا، فقد انتقلت
الثقافة من الحضور المتفرق إلى إطارٍ قطاعي منظم، له جهات تقوده، ومؤسسات ترعاه،
وأدوات تمكِّنه، بحيث صار لكل مجال ثقافي تعريفه المهني، ومؤسسته المختصة، وأُفقه
التطويري الخاص. وفي الوقت نفسه استُثمر معنى الثقافة في هذا البناء الجديد، فشملت
مجالاتٍ ظلت حيةً في المجتمع زمنًا طويلًا من غير أن تحظى بصورتها المؤسسية
الكاملة، مثل الأزياء، وفنون الطهي، والحِرف، والتراث الثقافي غير المادي وغيرها
من التعبيرات التي تمتزج فيها الهوية بالذوق، وتمتزج فيها الممارسة اليومية
بالذاكرة الحضارية. وبذلك نشأ تصور أرحب للثقافة، يجعلها أقرب إلى أن تكون التعبير
الأشمل عن طريقة المجتمع في تقديم نفسه، وصون ماضيه، وتخيُّل مستقبله.
بعض منجزات العقد الثقافي الماضي
ومن
حقِّ العقد الماضي على من يكتب عن مستقبل الثقافة السعودية ألّا يمر على مشاريعه
الكبرى مر الإشارة العابرة؛ لأن هذه المشروعات أثرت العمل الثقافي نفسه، ففي
مبادرة "الشريك الأدبي" نزل الأدب من مقارِّه المحدودة إلى
الفضاء اليومي في المدن والقرى، ممتدًّا إلى تسعٍ وعشرين مدينة عبر آلاف الفعاليات
والمساهمات، وفي مبادرة "ترجم" اتسعت العربية أخذًا وعطاءً مع
لغات العالم حتى بلغت أكثر من ألف وخمسمائة كتاب، وفي "برنامج الابتعاث
الثقافي"، الأول من نوعه في تاريخنا، تم ويتم إعداد كوادر مختصة في
الآثار، والمتاحف، والموسيقى، والمسرح، وصناعة الأفلام، والتصميم، والآداب، وغيرها
من الحقول التي لا ينهض بها قطاعٌ ثقافي طموح من غير كوادرها.
وجاءت
أيضًا، مشروعات مثل "المعهد الملكي للفنون التقليدية"، و "مجمع
الملك سلمان العالمي للغة العربية"، و "مركز الأمير محمد بن
سلمان العالمي للخط العربي"، و "المركز السعودي للموسيقى"
بما فتحه من برامج ومسارات للآلات الشرقية العربية والغناء، إلى جانب "بينالي
الفنون الإسلامية" بجدة و "بينالي الدرعية للفن المعاصر".
وإذا
كان بعض هذا البناء قد أخذ صورته المؤسسية الواضحة بالفعل، فإن الأفق يزداد
اتساعًا حين نضم إليه "جامعة الرياض للفنون" و "المعهد
الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية"؛ فهنا يتهيأ المسار الثقافي للعقد
القادم بعمق التكوين الثقافي والفني، والمعرفة المتخصصة.
كيف يتحول المشهد الثقافي إلى أثرٍ راسخ؟
هنا
تجدي العودة إلى بعض أدبيات مفكري القرن العشرين الذين تنبهوا إلى العلاقة
المعقّدة بين الثقافة والسوق والصورة، فقد كتب تيودور أدورنو (ت:١٩٦٩م) وصاحبه
ماكس هوركهايمر (ت:١٩٧٣م) في كتابهما "جدل التنوير" بابًا عن
"صناعة الثقافة"، وكان مقصودهما أن الثقافة الحديثة قد تدخل في منطق
الإنتاج المعياري، فتفقد شيئًا من قدرتها على الفاعلية والرسوخ، وتتحول إلى مادةٍ
قابلة للتكرار والاستهلاك السريع. ولم يكن نقدهما دعوة إلى الانسحاب من العصر،
وإنما كان تنبيهًا إلى أن وفرة المنتجات الثقافية لا تساوي دائمًا وفرة المعنى.
وقريب
من هذا كتب الفرنسي غي ديبور (ت:١٩٩٤م) في كتابه "مجتمع الاستعراض" أو
"الفُرجة" بحسب الترجمتين العربيتين، أنَّ الحياة الحديثة تميل إلى
تحويل الخبرة الإنسانية إلى مشهد وصورة وتمثيل. وهذا المعنى شديد الصلة بأي نقاش
عن المستقبل الثقافي؛ لأن المجتمعات قد تنجح في إنتاج صور ثقافية باهرة، مع بقاء
التكوين الداخلي أبطأ بكثير. وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل نُنتج جمهورًا متذوقًا،
أم ننتج متابعًا سريعًا؟ هل نكوّن قارئًا طويل النفس، أم مستهلكًا سريع الانتقال
بين الصور؟ هل تنجح الثقافة في بناء زمنها الخاص، أم تذوب داخل الزمن الإعلاني
والزمن الرقمي القصير؟
ويجيء
بيير بورديو (ت:٢٠٠٢م) ليضيف بُعدًا آخر للمسألة؛ إذ بيَّن في كتابه الضخم
"التميُّز" أنَّ الذوق ليس اختيارًا فرديًا بريئًا، وإنما هو نتيجة
تربية وتعليم وعلاقات اجتماعية وتوزيع لرأس المال الثقافي. والمعنى هنا بالغ
الأهمية في السعودية؛ لأن الحديث عن مستقبل الثقافة يفقد دقته إذا لم يُسأل عن
الجانب التعليمي، كما سأل طه حسين، أي عن المدرسة، وعن اللغة، وعن عدالة الوصول
إلى الكتاب والفن والمعرفة، وعن الأسرة. فالثقافة التي تبقى محصورة في دوائر ضيقة
أو جغرافيا محدودة أو فئات تملك الوقت والعدة وحدها، لن تتحول إلى قوام عام للحياة
الاجتماعية.
ومن
هنا أيضًا تظهر أهمية يورغن هابرماس (ت٢٠٢٦م) والذي وافته المنية قبل أسبوعين، إذ
كتب عن المجال العام بوصفه الفضاء الذي يلتقي فيه الأفراد لتبادل الرأي وتكوين
النقاش العقلاني. فإذا حملنا هذه الفكرة إلى السياق السعودي أمكن أن نفهم أن
الثقافة تحتاج إلى مجالٍ عام حي: مكتبة يمكن أن تُزار، ومقهى يمكن أن يُقرأ فيه،
ومدينة تسمح بالمشي واللقاء، ومنصة لا تكتفي بالإثارة، وجامعة لا تفصل المعارف
الإنسانية عن حياة المجتمع. فالمستقبل الثقافي لا يُقاس بعدد ما يُعرض فحسب، وإنما
كذلك بعدد ما يُناقش ويُتأمل ويُعاد التفكير فيه، ولهذا أشدنا بمبادرة "الشريك
الأدبي".
ما الأفق القادم للثقافة السعودية؟
مرتكزات المستقبل الثقافي
عند
هذا الموضع يمكن صياغة الجواب الأساسي عن السؤال، يليق بالثقافة السعودية. مستقبل
تنتقل فيه من وفرة المشهد إلى رسوخ التكوين، ومن منطق الفعالية إلى منطق البنية،
ومن الاستهلاك السريع إلى إنتاج المعنى على المدى الطويل. وهذا الانتقال يحتاج إلى
إعادة ترتيب العلاقة بين خمسة عناصر كبرى: التعليم، واللغة، والمدينة، والمؤسسة،
والذاكرة.
فـ(التعليم)
هو الموضع الأول الذي يتقرر فيه المستقبل الثقافي. هنا تبدأ علاقة الطفل باللغة،
وهنا يتحدد ما إذا كانت القراءة ستصبح عادةً طبيعية أم واجبًا عابرًا، وهنا تتكون
القدرة على السؤال والتحليل والمقارنة. ومن غير مدرسة تعطي العلوم الإنسانية
مكانتها، وتحرر اللغة من التعليم الآلي، وتعيد للقراءة منزلتها، سيظل المجال
الثقافي محتاجًا إلى قاعدة أوسع من تلك التي يحملها الحماس الموسمي، ويحسب للوزارة
في العقد الماضية شراكتها مع وزارة التعليم في عدة برامج لتنمية القدرات الثقافية.
و(اللغة)
تأتي بعد ذلك بوصفها الوعاء الذي يحمل الوعي كله؛ الديني والثقافي والفني، وقد صاغ
المفكرون هذا المعنى فاللغة ليست أداة خارجية، لأن المجتمع يفكر داخلها، ويتذكر
داخلها، ويبني حسه التاريخي داخلها. ولهذا فإن مستقبل الثقافة السعودية يحتاج إلى
عناية خاصة بالعربية، نحو يجعلها قادرة على حمل المعرفة الحديثة، وعلى إنتاج
النقد، وعلى مخاطبة الأجيال الجديدة من غير قطيعة بين الفصاحة والحياة، وهنا تأتي
مسؤولية مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية في التعريب والقدرة على غرس
العربية في المجالات والاستعمالات الثقافية، وقد قطع المجمع في ذلك أشواطًا طويلة
إصدارًا وتشريعًا ونشرًا وسياسة.
العربية: وعاء الوعي والذاكرة
ثم
تأتي (المدينة) بوصفها حاملة للفعل الثقافي، فالمدن الكبرى اليوم لم تعد
خلفيةً صامتة للنشاط الثقافي؛ فهي الحاضنة للممارسات الثقافية، وهي يفسر مبادرة
المنظمات الثقافية لوضع روزنامة للعواصم الثقافية، فإذا كانت الثقافة تريد أن تصبح
ممارسة يومية، فهي تحتاج إلى مدينة تسمح بوجود مكتبات حيّة، ومساحات لقاء، ومتاحف
لا تُزار مرة واحدة، ومسارح تدخل في روتين الحياة، وأحياء تعرف كيف تصل بين
الذاكرة والمشاة. وهنا يعود هابرماس، ويعود أيضًا ريموند وليامز (ت:١٩٨٨م) في
كتابه "الثقافة والمجتمع"؛ لأن الثقافة اليومية لا تنمو في الفراغ،
وإنما تنمو في فضاءات تجعل اللقاء ممكنًا، وتجعل النقاش جزءًا من العيش المشترك.
وتأتي
(المؤسسة) بعد ذلك بوصفها الضمان الوحيد لدوام الأثر، فقد علمتنا الخبرة
الحديثة أن الثقافة تضعف حين تظل معتمدة على الأفراد، حتى لو كانوا لامعين
وموهوبين. فالمؤسسة هي التي تحفظ التراكم: مركز ترجمة، وأرشيف ثقافي منظم، ومتحف
متخصص، وجامعة تنتج تعليمًا مميزًا، وجهاز نقدي يفرز الأعمال ويمنحها مكانها
الطبيعي في النقاش العام. ومن دون هذا التراكم المؤسسي قد يكثر النتاج، ويقل الأثر
الطويل.
أما (الذاكرة)،
فهي العنصر الذي يحول دون انقطاع الثقافة عن هويتها، ويمنحها القدرة على الامتداد
عبر الزمن. وقد بينت تجارب الأمم أن الثقافة لا تتقدم حقًا إلا حين تُحسن حمل
تراثها، وتعيد إدخاله في الحاضر بصورة منتجة. وفي السعودية تزداد هذه المهمة
أهمية؛ لأن البلاد تحمل كثافة تاريخية نادرة، تتداخل فيها ذاكرة دينية، وذاكرة
مكانية، وذاكرة لغوية، وذاكرة محلية متعددة الجهات. والمستقبل الثقافي الأجدر هو
الذي يصل هذه الطبقات جميعًا، بحيث يصبح التراث مادة إنتاج فاعل وحي. ولعل المعهد
الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية يضطلع بذلك.
خاتمة: نحو ثقافة تملك حضورها الطويل
تمضي الثقافة
السعودية اليوم نحو أفقٍ تُعزز فيه بوصفها جزءًا من نسيج الحياة الاجتماعية،
وعنصرًا من عناصر تكوين المجتمع في وعيه وذائقته وطريقته في التعبير عن نفسه. وهي،
بهذا المعنى، ترافق التحول الوطني، وتمنحه لغته الداخلية، وتفتح له مجالًا أوسع
للفهم والتأويل والتعبير. وفي هذا الأفق تتصل الثقافة بمسارات التعليم، وتمتد في
المدينة، وتجد حضورها في الفنون والمعرفة.
وعلى هذا النحو، تبدو الثقافة السعودية مسارًا مفتوحًا يزداد اتساعًا ووضوحًا مع الوقت، ووجهًا من وجوه نضج المجتمع وهو يعيد بناء علاقته بنفسه، وبالعالم من حوله.









تعليقات
إرسال تعليق