شريط المقالات

بمناسبة يوم المخطوط العربي: أما آن للمخطوطات أن يكون لها يوم عالمي؟

بمناسبة يوم المخطوط العربي: أما آن للمخطوطات أن يكون لها يوم عالمي؟

يوم المخطوط العربي

من اليوم العربي إلى السؤال العالمي

يأتي الحديث عن يوم المخطوط العربي (٤ أبريل) هذا العام في سياقٍ لا يقتصر على حدود المناسبة السنوية المجيدة، ولا على التذكير بأهمية التراث الثقافي الوثائقي في برامج وأنشطة منظمة اليونسكو، وإنما يتسع حتى يصير سؤالًا في الاعتراف الثقافي نفسه: كيف استقر للمخطوط العربي يوم ثقافي معتمد، وتراكمت حوله الدورات والفعاليات والمؤسسات، ثم ظل المخطوط -بوصفه أحد أوعية الذاكرة الإنسانية المكتوبة- من غير يوم عالمي مستقل؟

ويزداد هذا السؤال وجاهة حين نتذكر أن الرابع من أبريل شهد إنشاء "معهد المخطوطات العربية" بجامعة الدول العربية عام ١٩٤٦م، ثم أصبح يومًا عربيًا للمخطوط العربي بعد اعتماد منظمة الألكسو له عام ٢٠١٣م، ثم جاء القرار العربي الأوسع في الدورة العشرين لمؤتمر وزراء الثقافة العرب المنعقدة في تونس يومي ١٤ و١٥ ديسمبر ٢٠١٦م. واليوم يدخل الاحتفاء به دورته الرابعة عشرة (٢٠٢٦م)، وتحتفي به عشرات المراكز والمؤسسات والمعاهد المعنية حول العالم، بما يدل أننا إزاء تقليدٍ ثقافي رسَّخ واكتسب تاريخه ورمزيته وشرعيته المؤسسية والشعبية.

الكتاب المخطوط بوصفه وعاء الذاكرة الإنسانية

الكتاب المخطوط بوصفه وعاء الذاكرة الإنسانية

المخطوط واحد من أوعية الذاكرة الكبرى في التاريخ الإنساني. ففيه عاشت المعرفة قرونًا طويلة قبل الطباعة، وعن طريقه انتقلت العلوم والفلسفات والآداب والتواريخ والرحلات والشروح من جيلٍ إلى جيل، ومن مدينة إلى أخرى، ومن حضارة إلى أخرى. والنص، قبل أن يستقر في كتاب مطبوع أو في ملف رقمي، كان يعيش في هيئة مادية مخصوصة: برديّةً أو رِقًّا أو ورقًا، خطًّا وحبرًا، سماعًا وتملكًا، مقابلةً وتصحيحًا، وإجازات وتعليقات وهوامش.

ولهذا فإن الكتاب المخطوط يحمل النص وتاريخه معًا، وفيه نقرأ المؤلف، ونقرأ كذلك أثر الناسخ، وعلامات القارئ، وختم الوقف، وحركة التداول، ورحلة النسخة بين الخزائن والمكتبات. ومن هذه الزاوية تتسع قيمة المخطوط؛ فهو مادة معرفية، ووثيقة اجتماعية، وأثر فني، وشاهد على تاريخ القراءة والتعليم وانتقال العلوم. ولهذا أيضًا يتصل الحديث عن يوم للمخطوط بوعي عميق بالأصل المادي الذي قامت عليه الذاكرة العلمية للأمم، وبالوسيط الذي صان جانبًا عظيمًا من تراث الإنسانية المكتوب. 

الجذور المؤسِّسة للاحتفاء العربي

الجذور المؤسِّسة للاحتفاء العربي

يقوم يوم المخطوط العربي على أصلٍ تاريخي عريق، فقد أصدر مجلس جامعة الدول العربية، في جلسته السابعة من دورته العادية الثالثة، قراره رقم ٣٩ عام ١٩٤٦م بإنشاء معهدٍ باسم "معهد إحياء المخطوطات"، ملحقٍ بالأمانة العامة للجامعة. ومنذ تلك اللحظة وُضعت للمؤسسة مهامٌّ دقيقة تكشف عن وعيٍ مبكر بقيمة المخطوط: جمع فهارس المخطوطات العربية في المكتبات العامة والخاصة، وتصوير أكبر عددٍ ممكن من المخطوطات القيّمة، ووضع تلك المصورات في متناول العلماء، وطبع النصوص الجديرة بالنشر، وتنظيم التعاون بين الباحثين والمؤسسات، وإصدار نشرةٍ دوريةٍ بما طُبع أو يُعدُّ للطبع من التراث المخطوط. فالرابع من أبريل ارتبط بتاريخ القرار، وهو اليوم مشدودٌ إلى لحظةٍ تأسيسيةٍ أرادت -منذ منتصف القرن العشرين- أن تجعل من خدمة المخطوط مشروعًا عربيًا منظمًا، لا مجرد جهودٍ فردية متفرقة. 

يوم المخطوط العربي

الأيام العالمية ومنطق الاعتراف الثقافي

يُعد إنشاء الأيام العالمية في تقاليد اليونسكو حدثًا ثقافيًا نوعيًا لرفع الوعي بالقضايا الثقافية، وإلهام السياسات، وحشد المجتمع، والاحتفاء بالتنوع الثقافي واللغات والتقاليد. كما تعرَّف الأيام الدولية بأنها مناسبات سنوية تسلط الضوء على قضية أو موضوع بعينه، وتدعو إلى المشاركة العالمية من خلال الفعاليات والحملات والنقاشات العامة.

ومن هذا الوجه، فإن المطالبة بيوم عالمي للمخطوط تعني نقل المخطوط من دائرة التخصص الضيق -حيث يشتغل عليه المفهرسون والمحققون والمرممون والباحثون- إلى دائرة الاعتراف الثقافي الأوسع، حيث يصبح موضوعًا للتعليم، والتوعية، وحشد المؤسسات، وإثارة اهتمام الأجيال الجديدة. وهذا بعينه ما تفعله الأيام الدولية حين تنجح: إنها تمنح القضايا حضورًا دوريًا في الوعي العالمي.

الأوعية المعرفية التي نالت أيامها الاعتراف العالمي

الأوعية المعرفية التي نالت أيامها الاعتراف العالمي

وإذا نظرنا في خريطة الأيام الثقافية المعتمدة لدى اليونسكو وجدنا عددًا من الأوعية المعرفية القريبة من عالم المخطوط قد نال يومه أو أسبوعه الخاص الاعتراف الثقافي الدولي، فاليونسكو تحتفي في ٢٣ أبريل باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، وتصف الكتاب بأنه جسر بين الأجيال وعبر الثقافات. كما تحتفي في ٢٧ أكتوبر باليوم العالمي للتراث السمعي البصري، وتربطه بالذاكرة الجمعية للبشرية وبالحاجة إلى إجراءات عاجلة لصون هذا التراث. وفي ١٨ نوفمبر تحتفي باليوم الدولي للفن الإسلامي، الذي أُعلن في ٢٠١٩م، وفي ١٨ ديسمبر تحتفي باليوم العالمي للغة العربية، الذي يُحتفل به سنويًا منذ ٢٠١٢م، موافقةً لليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة العربية لغةً رسمية سادسة عام ١٩٧٣م.

كما اعتمدت اليونسكو الأسبوع العالمي للرواية، الذي أُعلن في ٢٠٢١م ويقام سنويًا ابتداءً من ١٣ أكتوبر؛ تشجيعًا لتقدير الأدب وتعزيز القراءة والوعي بدور الكُتّاب في المعرفة والتنوع الثقافي. وهذه الأمثلة تبيّن أن الاعتراف الدولي يتسع للأوعية المعرفية والتعبيرية حين تتوفر لها الحجة الثقافية، والدلالة الإنسانية، والإعداد المؤسسي الجيد.

المخطوط بين الحضور والغياب في برامج اليونسكو

والمفارقة اللافتة هنا أن المخطوط حاضر بالفعل في بنية العمل الثقافي الدولي، لكنه لا يزال غائبًا عن رزنامة الاعتراف السنوي الثقافي. فقد أطلقت اليونسكو برنامج "ذاكرة العالم" عام ١٩٩٢م للحماية من "فقدان الذاكرة الجمعية"، ودعت من خلاله إلى صون التراث الوثائقي في العالم، وإتاحة الوصول إليه على أوسع نطاق، وتعزيز الوعي العام بأهميته. وتؤكد المنظمة في تعريفها للبرنامج أن التراث الوثائقي ملك للجميع، وينبغي أن يُحفظ ويُتاح بلا عوائق، كما تؤكد في تعريف السجل الدولي لذاكرة العالم أن الإدراج فيه يعلن الأهمية العالمية للتراث الوثائقي، ويزيد من التعريف به، ويوسع إمكان الوصول إليه؛ وقد بلغ عدد المواد المدرجة فيه ٥٧٠ إدراجًا حتى مايو ٢٠٢٥م.

غير أن القائمة الرسمية الحالية لليونسكو، على كثرة ما تشتمل عليه من أيامٍ ومناسبات، لا تُظهر يومًا مستقلًا للمخطوط. وهذا يعني -في صورة مكثّفة- أن المخطوط حاضر في برامج الحفظ والصون والتسجيل، لكنه لم يتحول بعد إلى موضوع اعتراف سنوي مستقل على مستوى الأيام العالمية. ومن هنا تنشأ الفجوة التي يلتقطها عنوان هذه المقالة: لماذا لم يتحول هذا الاهتمام إلى يوم عالمي خاص به؟ 

لماذا يستحق المخطوط يومًا عالميًا

لماذا يستحق المخطوط يومًا عالميًا؟

ولعل أول ما يبرر هذا الاستحقاق أن المخطوط يسبق كثيرًا من الأوعية التي نالت اعترافها الخاص، فالكتاب المطبوع -في أحد وجوهه الأساسية- ابنٌ للمخطوط، وما من نصٍ كلاسيكي بلغنا في الطباعة الحديثة إلا وقد مرّ، في طورٍ من أطواره، عبر النسخ اليدوي والتداول المخطوط. وإذا كان الكتاب قد نال يومًا عالميًا لأنه جسر بين الأجيال والثقافات، فإن هذا الوصف يصدق على المخطوط بدرجة أسبق وأعمق؛ لأنه الواسطة الأولى التي حفظت المعرفة قبل أن تستقر في الشكل الطباعي الحديث.

وثاني ما يبرر ذلك أن المخطوط سجلٌّ لتاريخ المعرفة نفسها، ففيه تظهر طرائق النسخ، وأحوال المدارس، وطبقات القراءة، ومسارات الانتقال، وأشكال التملك، وبقايا الحياة العلمية اليومية التي لا تنقلها الطبعات الحديثة للكتاب على الوجه نفسه، أي أن المخطوط يجمع بين قيمة المضمون وقيمة الأثر، بين النص وتاريخه المادي، وبين العلم وشروط تداوله الاجتماعية والثقافية.

أما ثالث ما يبرر هذا الاستحقاق، فهو أن المخطوط اليوم يواجه تحديات لا تقل خطورة عن أهميته: من التآكل المادي، إلى آثار الحروب والكوارث، إلى ضعف الفهرسة، وتعثر الإتاحة، والحاجة إلى مزيد من الرقمنة، والدراسات المادية.

من الخصوصية العربية إلى الأفق الإنساني

من الخصوصية العربية إلى الأفق الإنساني

ومن هنا تبدو قيمة يوم المخطوط العربي؛ فهو يقدم نموذجًا ناضجًا يمكن البناء عليه في أفق أوسع. فهذه المناسبة لها جذر مؤسسي واضح، وقرار عربي معتمد، وتراكم زمني امتد أكثر من عقد، ودوائر مشاركة تجاوزت العالم العربي إلى دوائر إسلامية وغربية، فضلًا عن قدرتها على إنتاج خطاب ثقافي سنوي متجدد حول المخطوط. وهذه جميعًا عناصر يحتاجها أي مقترح يريد أن ينتقل من الإطار الإقليمي إلى الإطار الدولي.

ثم إن الانتقال من اليوم العربي إلى اليوم العالمي لا يعني تذويب الخصوصية العربية، ولا سلب التجربة العربية حقها في الريادة، بل يعني العكس تمامًا: أن تنجح هذه التجربة في تحويل خبرتها المحلية إلى قيمة إنسانية مشتركة.

والمخطوط العربي، في حقيقته التاريخية، لم يكن منغلقًا على جغرافيا قومية ضيقة، فقد تحرك بين بغداد ودمشق والقاهرة وفاس وصنعاء وقرطبة وتمبكتو وإسطنبول، وعبر إلى مكتبات أوروبا وآسيا، وتداولته أيدٍ متعددة، وكتب بلغات العلم والترجمة، وأسهم -بما حمله من علوم الطب والفلك والفلسفة والرياضيات والفقه واللغة- في تاريخ الإنسانية المعرفي الأوسع.

نحو يوم عالمي للمخطوطات

الخاتمة: نحو يوم عالمي للمخطوطات

إذا كان معيار الأيام العالمية هو أن يكون الموضوع جديرًا بالتوعية العامة، وقابلًا للحشد المؤسسي، ومتصلًا بقيمة إنسانية مشتركة، فإن المخطوط يحقق هذه الشروط جميعًا. فهو من جهةٍ وعاءٌ أصيل لذاكرة البشرية المكتوبة، ومن جهة ثانية مهددٌ في كثير من مواطنه بالتلف والضياع وضعف الإتاحة، ومن جهة ثالثة تحيط به اليوم شبكةٌ واسعة من المؤسسات والخبرات والبرامج القادرة على تحويل يومه العالمي من شعار رمزي إلى مناسبة فاعلة في الحفظ والتدريب والتعريف والتعاون الدولي.

ثم إن التجربة العربية نفسها تقدم برهانًا عمليًا على إمكان ذلك، فالرابع من أبريل أصبح تقليدًا ثقافيًا ممتدًا، يلتقي فيه الباحثون والمؤسسات والجمهور حول قيمة المخطوط ومعناه. وإذا كان هذا النموذج قد نجح عربيًا، فإن المنطق الثقافي نفسه يقتضي أن يُستثمر بوصفه مقدمةً لاعتراف أوسع، لا أن يبقى محصورًا في نطاقه الأول.

وعليه، فإن المطالبة بيوم عالمي للمخطوطات مطلبٌ ثقافي عادل للمعرفة الإنسانية، وربَّما آن الأوان أن يسمع العالم كله هذا السؤال: أما آن للمخطوطات أن يكون لها يوم عالمي؟

الأقسام
author-img
د. عبدالرحمن خالد الخنيفر

إستكشاف المزيد

أنت تشاهد أحدث مقال

تعليقات

      ليست هناك تعليقات
      إرسال تعليق

        نموذج الاتصال