ما الذي تدرسه الأنثروبولوجيا في المجتمعات المعاصرة؟
يبدو هذا السؤال اليوم أكثر حضورًا في النقاشات الثقافية بعد موافقة مجلس الوزراء السعودي في ١٠ مارس ٢٠٢٦م على تأسيس "المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية"، ففهم المجتمعات ليس أمرًا كميًا، فالمجتمع في حقيقته يُبنى في تفاصيل الحياة اليومية: في طريقة الناس في التحية والزيارة، وفي تنظيم العلاقات داخل الأسرة، وفي أنماط الضيافة والعمل والسكن، وفي اللغة التي يتخاطب بها الناس في المجالس والفضاءات الرقمية. والأنثروبولوجيا، أو علم الإنسان، هي الحقل المعرفي الذي يحاول أن يقرأ هذه التفاصيل بوصفها أنظمة ثقافية تكشف كيف يفكر الناس وكيف ينظمون حياتهم وكيف يصنعون المعنى داخل مجتمعاتهم، ويمكن أن نقول على سبيل التبسيط أن "الدراسات الثقافية" تُعنى بالتحليل والنقد.
خلفية تاريخية مختصرة
إذا أردنا أخذ خلفية تاريخية مختصرة،
فيمكن القول إن الأنثروبولوجيا بدأت تتبلور قبل منتصف القرن التاسع عشر، ثم تكرست
بوضوح في ستينيات ذلك القرن مع صعود النقاشات حول أصل الإنسان، وتاريخ المجتمعات،
واللغة، والتصنيف، والاختلاف البشري، ضمن سياق استعماري معلوم. في تلك المرحلة
برزت أسماء مثل لويس مورغان (ت١٨٨١م) وإدوارد تايلور (ت١٩١٧م)، وكانا من أبرز من
صاغوا الأنثروبولوجيا الأولى بصيغتها التطورية؛ أي الفكرة التي رتبت المجتمعات على
سلم واحد من "البدائية" إلى "التمدن". نشر تايلور كتابه
"الأنثروبولوجيا: دراسة الإنسان والحضارة" عام ١٨٨١م، ثم أصبح أول أستاذ
للأنثروبولوجيا في أكسفورد، بينما جعل مورغان من كتابه عن "المجتمع
القديم" عام ١٨٧٧م أحد النصوص المؤسسة لهذا الاتجاه.
![]() |
إدوارد تايلور (١٨٣٢-١٩١٧) |
لكن هذه البداية العلمية لم تكن بريئة
تمامًا من سياقها السياسي. فالأنثروبولوجيا نشأت وهي متشابكة مع التوسع الأوروبي
والاستعمار، وكثير من مادتها الأولى جُمعت عبر مبشرين وإداريين استعماريين
ورحّالة، كما دخلت المتاحف وعمليات التصنيف والقياس في هذا المشهد. هذا الإرث أثّر
في طرق إنتاج المعرفة وتمثيل الشعوب. لذلك ارتبطت الأنثروبولوجيا في جانب منها
بترتيب البشر في سلالم تفاضل، وبالخلط بين الثقافة والعرق، كما في معارض أكسبو
الفرنسية (١٨٨٩، ١٩٠٠م) حيث عرضت بعض الشعوب كنماذج أدنى جنسًا، مع وجود أصوات
قليلة مبكرة رفضت بعض أشكال العنصرية وأكدت وحدة النوع الإنساني.
![]() |
| عرض بشري للاستمتاع من تاريخ الأنثروبولوجيا الاستعمارية (١٨٨٠-١٩١٠م) |
التحول الكبير
التحول الكبير الأول جاء في مطلع القرن
العشرين. عندما ظهر الأمريكي فرانز بواس (ت١٩٤٢م) ، مجدد هذا العلم، بوصفه الاسم
الأهم في نقل الأنثروبولوجيا من الأحكام العامة والعنصرية الأوروبية إلى دراسة كل
مجتمع في سياقه وتاريخه الخاص، وأصبح السؤال: في أي درجة من السلم الحضاري يقع هذا
المجتمع؟ بل صار: كيف تشكل هذا المجتمع؟ وما منطقه الداخلي؟ ومن هنا ترسخت فكرة
فهم الثقافة من داخلها، لا من خلال ميزان خارجي جاهز.
وبعد ذلك جاء مالينوفسكي (ت١٩٤٢م) صاحب
كتاب "السحر والعلم والدين في المجتمعات البدائية" ليمنح البحث الميداني
مكانته المركزية؛ فقد أصبحت المعايشة الطويلة، والملاحظة بالمشاركة، والاقتراب من
الحياة اليومية للناس أساسًا للمعرفة، لا مجرد جمع قصص من بعيد. وفي هذا المناخ
برزت أيضًا مارغريت ميد (ت١٩٧٨م)، التي وسعت حضور الأنثروبولوجيا في النقاش العام،
وربطت الثقافة بتكوين الشخصية والتنشئة.
![]() |
| مالينوفسكي والعمل الميداني بين سكان جزر تروبرياند (غينيا الجديدة) عام ١٩١٨م |
ثم جاء التحول الأكبر بعد الحرب العالمية
الثانية، واشتد من الستينيات والسبعينيات فصاعدًا مع تفكك الإمبراطوريات
الاستعمارية وظهور دول مستقلة جديدة في آسيا وأفريقيا مع حركات التحرر، ولم يعد
ممكنًا أن تبقى الأنثروبولوجيا علمًا يدرس "الآخر البعيد" بالطريقة
القديمة، فتوسع التخصص خارج أوروبا وأمريكا الشمالية، وبدأ الباحثون المحليون في
المجتمعات التي كانت تُدرَس من قبل يتولون هم أنفسهم قيادة البحث وفرض أسئلتهم.
وفي هذه المرحلة اتسعت الفروع الجديدة، وصار هناك اهتمام واضح بـ"أنثروبولوجيا
المدن" في أوائل الستينيات؛ ثم ظهرت "أنثروبولوجيا المرأة" في
السبعينيات، وتتابعت بعدها فروع مثل "الأنثروبولوجيا الطبية، النفسية، البصرية، الموسيقية، السكانية".
في الوقت نفسه ترك كلود ليفي ستروس (ت٢٠٠٩م) أثرًا كبيرًا في دراسة البنى العميقة للأساطير والقرابة، بينما أعاد كليفورد غيرتز (ت٢٠٠٦م) تعريف جزء مهم من الأنثروبولوجيا في السبعينيات بوصفها قراءة للرموز والمعاني التي يعيش الناس داخلها. وكتبهما الرئيسة ترجمت للعربية.
ماذا تدرس الأنثروبولوجيا اليوم؟
اليوم أصبحت الأنثروبولوجيا علمًا عن
الحياة الاجتماعية في أوسع معناها، فهي تدرس العائلة وتحولاتها، والقبيلة حين تبقى
فاعلة بوصفها رابطة انتماء وذاكرة وتنظيم، وتدرس المدينة بما فيها من تفاوت وتغير
في أنماط العيش، وتدرس الهجرة، والدين، والغذاء، والقانون، والحدود، والهوية. كما
أن لها تطبيقات عملية واسعة؛ ف"الأنثروبولوجيا التطبيقية" تعمل في الصحة
العامة، والتعليم، والمحاكم، والتخطيط الحضري، وحفظ التراث، والبحث الجنائي، وحتى
تصميم الأدوات والخدمات في الشركات التقنية. وفي السنوات الأخيرة اتسع المجال أكثر
مع "الأنثروبولوجيا الرقمية"، التي تدرس أثر الهواتف الذكية والمنصات
والذكاء الاصطناعي في العلاقات واللغة والهوية والسلطة.
لهذا يمكن القول ببساطة إن
الأنثروبولوجيا بدأت في القرن التاسع عشر وهي مشدودة إلى التصنيف والتدرج
والاستعمار، ثم أعادت بناء نفسها تدريجيًا عبر النقد الذاتي والبحث الميداني
والتحرر من كثير من افتراضاتها القديمة، حتى صارت اليوم علمًا يدرس الإنسان في
حياته الفعلية: في البيت، وفي المدينة، وفي الشبكات الرقمية، وفي المؤسسات، وفي
التحولات التي تصيب العائلة والقبيلة والعمل والهوية. ومن هنا، في تقديري، تأتي
أهمية الاستثمار في هذا العلم سعوديًا وعربيًا: لأنه يمنحنا معرفة أدق بأنفسنا،
ويجعل فهم المجتمع قائمًا على البحث لا على الانطباع، وعلى القراءة الهادئة لا على
الأحكام الجاهزة.
![]() |
| المدينة بوصفها نصًا ثقافيًا حيًا |

.jpg)
.jpg)
%20%D8%B9%D8%A7%D9%85%20%D9%A1%D9%A9%D9%A1%D9%A8%D9%85.jpg)

تعليقات
إرسال تعليق