الفلسفة والدراسات الثقافية: من السرديات إلى اليوميات
حين نتأمل العلاقة بين الدراسات الثقافية والفلسفة، فإننا أمام سؤال يتصل بتاريخ العقل الحديث نفسه: كيف تغيّرت طريقة التفكير مع تغيّر العالم في القرن الماضي، واتسعت موضوعاته، وتبدّلت مواضع السلطة والمعنى؟ فالفلسفة، منذ بداياتها، انشغلت بمحاولة فهم الوجود والإنسان والمعرفة والأخلاق، وسعت إلى إنتاج رؤية تفسّر العالم في كليته، أو تمنح الإنسان على الأقل إطارًا عامًا يهتدي به في فهمه لنفسه ومجتمعه وتاريخه. أمّا الدراسات الثقافية فقد ظهرت في زمن لاحق، في لحظة صار فيها العالم أقل قابلية للاحتواء داخل التصورات الشاملة، وأكثر انفتاحًا على التفاصيل والوسائط والصور والممارسات اليومية، ولهذا فإن النظر إليها يكشف أنها امتداد لتحول كبير في الوعي النقدي الحديث، تحوّل لم يهجر الفلسفة، وإنما أعاد توزيع بعض وظائفها على حقول جديدة نشأت في أحشاء التاريخ الاجتماعي والثقافي المعاصر.
المعرفة
تتبدل حين تتبدل أسئلة الإنسان
ارتبطت نشأة الفلسفة، في صورتها
الكلاسيكية، بالرغبة في الانتقال من الحكاية الأسطورية إلى التفسير العقلي للكون
والنفس، ومن التسليم بالموروث إلى فحصه وتحليله، ثم تعاقبت أطوارها حتى غدت في
الأزمنة الحديثة، مشروعًا واسعًا لفهم التاريخ والمجتمع والعقل والسياسة. وفي
القرن التاسع عشر وصلت بعض الفلسفات إلى ذروة طموحها النسقي؛ إذ ظهرت أنظمة فكرية
كبرى حاولت أن تربط الإنسان بمسار شامل للتاريخ والمعنى، فظهر هيغل (ت:١٨٣١م)،
الذي نظر إلى التاريخ بوصفه حركة تقدمية للوعي والحرية، وبرز ماركس (ت:١٨٨٣م)،
الذي فسّر التاريخ تفسيرًا ماديًا، بدافع الصراع الطبقي. وكان من نتيجة ذلك أن
الفلسفة بدتْ في لحظة من لحظاتها الحديثة وكأنها الحقل الأقدر على إنتاج الرواية
الكبرى التي تفسر الإنسان والعالم والمجتمع في آن واحد.
هيغل (١٧٧٠-١٨٣١م)
انهيار السرديات الكبرى
غير أن القرن العشرين أدخل هذا اليقين في
مرحلة مراجعة عميقة، فقد بدأت الثقة في الأنظمة الشاملة تضعف، واتسع الشك في قدرة
السرديات الكبرى على تفسير العالم الحديث بما يكتنفه من تعقيد وتجزؤ واختلاف.
وتجلّى هذا التحول في تيارات ما بعد الحداثة، ولا سيما عند جان فرنسوا ليوتار
(ت:١٩٩٨م)، صاحب كتاب "الوضع ما بعد الحداثي"، الذي جعل من نقد السرديات
الكبرى محورًا لتشخيص اللحظة الفكرية الجديدة. ومنذ ذلك الحين لم تعد الفلسفة
تحتفظ بالموقع القديم نفسه الذي كانت تتكلم منه بوصفها المرجعية الوحيدة القادرة
على ردّ المعارف إلى أصل كلي جامع. ومع هذا التحول التاريخي برزت الحاجة إلى حقول
معرفية تشتغل على الإنسان والعالم من مواقع أكثر التصاقًا بالتجربة اليومية، مع
بقاء النزعة النقدية حيّة فيها.
تشظي
الحقيقة رافق أفول السرديات الكبرى
لحظة التأسيس (برمنغهام)
في هذا المناخ ظهرت الدراسات الثقافية،
ولم يكن ظهورها قفزة معزولة عن تاريخ الأفكار، وإنما جاء نتيجة مسار تشكّل في
بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أخذ صورته المؤسسية الواضحة مع إنشاء
مركز الدراسات الثقافية المعاصرة في برمنغهام عام ١٩٦٤م. وقد نشأت الدراسات
الثقافية -في هذا السياق- لعدة أسباب متشابكة، من أهمها:
١/ أن بريطانيا ما بعد الحرب شهدت تغيرات
كبيرة في الطبقات، وأنماط الاستهلاك، ووسائل الإعلام، والثقافة الشعبية.
٢/ أن الدراسات الأدبية التقليدية لم تكن
مستعدة بعدُ لأن تمنح المجلات والإعلانات والأغاني والسينما والتلفزيون والشارع
المكانة التحليلية التي تستحقها.
٣/ كان للحياة الفكرية المرتبطة بتعليم
الكبار واليسار الجديد أثر بارز في منح الثقافة بُعدًا اجتماعيًا وصراعيًا، بدل
إبقائها في دائرة الذوق أو التربية المحافظة.
الشارع
الحديث صار نصًا ثقافيًا مفتوحًا
ومن ثم فإن نشأة الدراسات الثقافية لا
تُفهم فهمًا سليمًا إذا اختُزلت في كونها رد فعل على الحداثة الأمريكية وحدها،
فصحيح أن "أمركة" الثقافة الشعبية كانت جزءًا ظاهرًا من المشهد
البريطاني، وأن الإعلام الجماهيري والثقافة الاستهلاكية لعبا دورًا مهمًا في تشكيل
الحقل، غير أن أصل المسألة أعمق من ذلك، فقد نشأت الدراسات الثقافية من محاولة
لفهم تجربة بريطانية خاصة امتزج فيها صعود السوق بدور الدولة، وتداخل فيها التحول
الطبقي مع التوسع الإعلامي، وانفتح فيها المجتمع على أنماط جديدة من العيش
والتمثيل والاستهلاك. وكان السؤال الذي أخذ يتكثف في هذا كله هو: كيف تتشكل الحياة
الاجتماعية حين تصبح الثقافة أحد المواقع الأساسية لإنتاج المعنى والهيمنة
والتمييز والهوية؟
الثقافة
الشعبية دخلت قلب التحليل الأكاديمي
ومن هنا تكتسب برمنغهام عام ١٩٦٤م
أهميتها الخاصة؛ إذ انتقل ذلك الاهتمام المتناثر إلى مشروع له مركز ومؤسسة وتقاليد
بحثية. وارتبطت هذه اللحظة باسم ريتشارد هوغارت (ت: ٢٠١٤م)، صاحب كتاب
"استخدامات القراءة"، الذي رأى أن الثقافة الجماهيرية تستحق أن تُقرأ
بالجدية نفسها التي تُقرأ بها النصوص الرفيعة. غير أن تكوين الحقل لم يقف عند هذا
الحد؛ فقد جاء ريموند ويليامز (ت: ١٩٨٨م)، صاحب كتاب "الثقافة
والمجتمع"، ليمنح الثقافة تعريفًا تاريخيًا واجتماعيًا أكثر عمقًا، وينقلها
من كونها عنوانًا للتهذيب أو الذوق إلى كونها بنية حيّة تتصل بالمجتمع والاقتصاد
والتحول الصناعي. ثم جاء ستيوارت هول (ت:٢٠١٤م)، ليوسّع أفق الحقل توسيعًا كبيرًا،
فربطه بقضايا الإعلام والعِرق والهوية والشباب والثقافات الفرعية والتمثيل، وأدخله
في حوار واسع مع الماركسية، والنظرية الفرنسية، وأسئلة السلطة والخطاب.
ستيوارت
هول (١٩٣٢-٢٠١٤م)
الفلسفة كنظام كلي
وهنا تبرز المسألة الدقيقة المتعلقة
بطبيعة هؤلاء المؤسسين: هل يصح وصفهم بالفلاسفة؟ يبدو أن أقرب وصف مناسبة وصفهم
بالنقاد الثقافيين والمنظرين الثقافيين والمثقفين العموميين ذوي النزعة الفلسفية
الظاهرة. غير أن هذا الوصف لا يستنفد حقيقتهم الفكرية؛ فالفيلسوف لا يتحدد بمساره
المؤسسي فقط، وإنما يتحدد أيضًا بطبيعة الأسئلة التي يطرحها، وبقدرته على بناء
المفاهيم، ومساءلة شروط المعرفة، وكشف أنظمة السلطة، وتجاوز الجزئي نحو بنية أوسع
من الفهم. ومن هذه الزاوية يظهر ويليامز وهول قريبين من الفلسفة قربًا بينًا، لا
لأنهما شيدا نظامًا ميتافيزيقيًا جديدًا، وإنما لأنهما قدّما تفكيرًا عميقًا في
الثقافة بوصفها ميدانًا لإنتاج المعنى والذات والهيمنة، أمّا هوغارت فمكانه أوضح
في النقد الاجتماعي والأخلاقي الذي مهّد للحقل وأعطاه حساسيته الأولى.
الفيلسوف
يبني مفاهيمه من أفق كلي
وعند هذا الحد يتبين أن الفرق بين
الفيلسوف والدارس الثقافي ليس في أصل الممارسة النقدية نفسها، فكل واحد منهما
يشتغل على التحليل والنقد وكشف البنى المستترة، وإنما يظهر الفرق في مجال الاشتغال
واتساع المدى، فالفيلسوف الكلاسيكي يتحرك داخل أفق كلي، ويطرح أسئلة الوجود
والمعرفة والتاريخ والأخلاق في صيغتها العامة، أما الدارس الثقافي فيدخل إلى
الواقع من خلال تمظهراته العينية: الإعلام، والطبقة، والعِرق، والجندر، والهوية،
والحياة اليومية، والتمثيل، والمدينة، والسلطة الرمزية، لذلك كان سؤال الفيلسوف
القديم عن الإنسان يتخذ صيغة تجريدية واسعة، في حين ينشغل الدارس الثقافي بكيفية
تشكّل الإنسان داخل المؤسسات والخطابات والصور والممارسات وآليات الهيمنة. والفارق
هنا لا يلغي مشترك الحس النقدي، وإنما يدل على انتقال مركز النظر من التجريد
العالي إلى الوقائع التي تصنع العالم الاجتماعي في تفاصيله الكثيفة.
الحياة اليومية كحقل معرفي
لهذا لا تبدو الدراسات الثقافية انفصالًا
عن الفلسفة، وإنما مرحلة جديدة من مراحل العقل النقدي بعد أن تبدلت شروط العالم،
فقد ورثت منها الشغف بالحقيقة والمعنى والسلطة والتاريخ، ثم أعادت طرح هذه الأسئلة
في فضاء مختلف، فبدل الاكتفاء بالسؤال عن ماهية الحقيقة، صارت تهتم بكيفية إنتاج
الحقيقة داخل المؤسسات والوسائط والخطابات، وبدل الوقوف عند الإنسان بوصفه مفهومًا
عامًا، أخذت تتتبع كيف يُبنى هذا الإنسان اجتماعيًا ورمزيًا عبر اللغة والصورة
والسوق والدولة والهوية، ولهذا يصح أن تُفهم علاقتها بالفلسفة على أنها صلة قرابة
فكرية عميقة، مع اختلاف في موضع النظر وأداة التحليل ومجال الاشتغال.
المعنى
يُصنع داخل الممارسة والتجربة اليومية
ومن نتائج هذا التحول أن الدراسات
الثقافية لا تنتج نظريات كبرى على الصورة التي عرفها القرن التاسع عشر، لكنها لا
تتحرك من غير أطر مفاهيمية قوية، فهي لا تسعى إلى إنشاء سردية شاملة بديلة تفسر كل
شيء، وإنما تعمل على بناء مفاهيم تساعد على فهم العلاقة بين الثقافة والسلطة
والمجتمع. ويظهر ذلك في المادية الثقافية عند ويليامز، وفي مفهوم الهيمنة كما
تلقاه هول من غرامشي (ت:١٩٣٧م). وهذا ما يمنح الحقل خصوصيته؛ إذ يتحرك بين النظرية
والتاريخ، وبين المفهوم والممارسة، وبين البنية الكلية وتجلياتها اليومية، من غير
أن يدّعي امتلاك مفتاح شامل يُردّ إليه كل شيء.
غرامشي
(١٨٩١-١٩٣٧م)
وعلى هذا الأساس يغدو السؤال عن كون
الدراسات الثقافية استكمالًا للفلسفة أو تطويرًا لها سؤالًا لا يحتمل إجابة حادة
من طرف واحد، فهي استكمال من جهة أنها أبقت على روح الفلسفة النقدية، وأبقت معها
الرغبة في فهم العالم ونقده. وهي تطوير من جهة أنها نقلت هذا الفهم من مجاله
التجريدي القديم إلى ميادين لم تكن تتصدر دائمًا مشهد التفكير الفلسفي: الصورة،
والخطاب، والهوية، والممارسة اليومية، والإعلام، والجسد .. ومن ثم فإن الدراسات
الثقافية لا تظهر بوصفها خصمًا للفلسفة، ولا ظلًا ضعيفًا لها، وإنما بوصفها أحد
التحولات الكبرى التي عرفها العقل النقدي حين اضطر إلى أن ينزل من علو الكليات إلى
كثافة العالم الاجتماعي، وأن يعترف بأن المعنى لا يُنتج في الكتب الكبرى وحدها،
وإنما يتشكل أيضًا في الشاشة، والمدينة، والجامعة، والأسرة، والمتحف، والأغنية،
واللهجة، والخبر، والصورة.
بهذا المعنى يمكن القول إن الدراسات الثقافية لم تغادر الفلسفة، وإنما دفعتها إلى امتحان جديد، امتحان يقتضي أن يُفكَّر في العالم من داخله، في تفاصيله، وفي لغاته اليومية، وفي مؤسساته، وفي صراعاته على المعنى. وهذا هو الموضع الذي تتجاور فيه الفلسفة والدراسات الثقافية، في السؤال النقدي حين يبحث عن الإنسان في تفاصيل حياته.


.jpg)



.jpg)


.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق