شريط المقالات

الدراسات الثقافية: فهم ثقافة المجتمع عبر رموزه وسردياته

الدراسات الثقافية: فهم ثقافة المجتمع عبر رموزه وسردياته

مخطوطة "بياض ورياض"

تُظهر هذه الصورة من مخطوطة "بياض ورياض" كيف استُخدمت الصورة في

الثقافة العربية بوصفها تمثيلًا للمعنى، يعكس القيم والتصورات الاجتماعية

 

مدخل: الحاجة إلى الدراسات الثقافية

يأتي الحديث عن الدراسات الثقافية اليوم في سياق تحول نوعي، يتزامن مع تأسيس "المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية" بالمملكة، حيث باتت قراءة المجتمعات المعاصرة تمرّ عبر تفكيك ما تنتجه من معانٍ يومية: في لغتها، وصورها، ورموزها، وممارساتها المتكررة، وفي السرديات التي تصوغ بها فهمها لتحولاتها وتحولات المحيط بها.

ومن هذا الأفق تَشكَّل حقل "الدراسات الثقافية" بوصفه منظورًا يقترب من المجتمع من داخله، عبر تحليل أنظمته الرمزية والمعنوية كما تتجلى في الحياة اليومية. وقد مثّل هذا التوجه أحد المنطلقات الحاسمة في نشأة هذا الحقل وتكوّنه.

الجذور المؤسسية للحقل

أما من حيث الإطار المؤسسي، فتعود جذوره إلى ما اصطلح على تسميته ب"مدرسة برمنغهام"، مع إنشاء مركز الدراسات الثقافية المعاصرة في جامعة برمنغهام عام ١٩٦٤م، حيث بدأ مشروع علمي أعاد النظر في مفهوم الثقافة -بعد ذبول وهجها بعد قرن من الاستهلاك والتوظيف-، ووسّعه ليشمل قضايا السلطة والتمثيل والتفاعل الاجتماعي. ومع نهاية الستينات وطوال السبعينات، ترسّخ هذا الحقل وتنامت أدواته، حتى غدا خلال العقود الستة الماضية أحد المداخل الأساسية لفهم قضايا الهوية والإعلام والثقافة في عالم متغيّر. وانتقلت الريادة فيه من المدرسة البريطانية (أغلقت مدرسة برمنغهام عام ٢٠٠٢م) إلى الجامعات الأمريكية.

 

جامعة برمنغهام حيث تأسس المركز عام ١٩٦٤م

جامعة برمنغهام حيث تأسس المركز عام ١٩٦٤م

 

الأسماء المؤسِّسة وأعمالها الكبرى

وكان من أبرز الأسماء المؤسِّسة لهذا الحقل ريتشارد هوغارت (ت:٢٠١٤م)، صاحب كتاب "استخدامات القراءة" (١٩٥٧)، الذي التف مبكرًا إلى تحولات الذوق الشعبي وعلاقة الطبقات العاملة بالإعلام والثقافة الجماهيرية، أي فهم وتصنيف الطبقات الاجتماعية ثقافيًا، وإلى جانبه برز أحد أكبر المنظرين، ريموند وليامز (ت:١٩٨٨م)، صاحب كتاب "الثقافة والمجتمع" (١٩٥٨)، وكتابه الأشهر "الكلمات المفتاحية: معجم ثقافي ومجتمعي" (١٩٧٦)، وهو كتاب غدا من كلاسيكيات الدراسات الثقافية لأنه تتبع تاريخ المفاهيم التي نصوغ بها فهمنا للثقافة والمجتمع، وكلاهما تُرجما للعربية -ولنا عودة له في مقالة أخرى-. ثم جاء الجامايكي ستيوارت هول (ت:٢٠١٤م)، الذي يُعد في نظر كثيرين الشخصية الأبرز في ترسيخ هذا الحقل وتوسيعه، ولا سيما عبر أعماله في الإعلام والهُوية والعِرق والتمثيل، ومن أشهر كتبه "التمثيل: التمثلات الثقافية والممارسات الدلالية" (١٩٩٧)، ولم يترجم للعربية حتى الآن، بالرغم من ترجمة دراسات كثيرة له.

ريموند وليامز (١٩٢١-١٩٨٨)

ريموند وليامز (١٩٢١-١٩٨٨)

غلاف كتاب "الكلمات المفاتيح" لريموند وليامز

 

من الثقافة الرفيعة إلى الحياة اليومية

منذ بداياتها، اتجهت الدراسات الثقافية إلى تجاوز الحصر التقليدي للثقافة في تسمية ثقافة ب"الثقافة الرفيعة" بما تتضمنه من فنون وآداب كلاسيكية، لتتناول الثقافة بوصفها نسقًا أوسع يشمل أشكال الحياة الاجتماعية والرمزية في امتدادها اليومي، تتداخل فيه الممارسات والخطابات والتمثلات التي تنتظم الحياة اليومية، مثل اللغة المتداولة، والذائقة، والأغاني، والإعلانات، والصحف، والدراما، وأنماط اللباس، والصور المتداولة، وسائر الظواهر التي قد تبدو عادية أو هامشية في ظاهرها.

ومن هذا المنظور، تغدو الدراسات الثقافية ميدانًا لتحليل الكيفية التي ينتج بها المجتمع معانيه عن ذاته، ويصوغ من خلالها تصوراته عن العالم، كما تتحدد داخلها الحدود الفاصلة بين المقبول والمرفوض، والمركزي والهامشي، والطبيعي والاستثنائي. ولهذا شدّد ريموند وليامز على أن الثقافة، في معناها الأعمق، هي "طريقة حياة"، أي إنها تتجلى في أنماط العيش، وتصورات الجماعة عن نفسها، وآليات إنتاج المعنى داخل المجتمع.


الثقافة وعلاقات القوة والهيمنة

غير أن النظر إلى الثقافة بوصفها "طريقة حياة" لا يعني التعامل معها بوصفها حيزًا بريئًا أو محايدًا؛ فالدراسات الثقافية تنطلق أيضًا من أن المعنى يرتبط دائمًا ب"علاقات القوة"، فبعض الصور، والألفاظ، والذائقات، والقصص، تكتسب شرعية أوسع من غيرها -فيما يبدو طبيعيًا-، بينما تُدفع معانٍ أخرى إلى الهامش أو تُقدَّم بوصفها أقل قيمة وتمثيلًا. ومن هنا اكتسب مفهوم "الهيمنة" أهميته في هذا الحقل، لأن الثقافة ساحة اجتماعية يُعاد فيها ترتيب ما يُعدّ مركزيًا أو هامشيًا، وما يظهر كأنه أمر طبيعي؛ مع أنه في الحقيقة بناء تاريخي واجتماعي قابل للنقاش.

 

اتساع الحقل نحو الثقافة الشعبية

ومن الأسماء المهمة التي وسعت هذا الحقل إدوارد تومسون (ت:١٩٩٣م)، صاحب كتاب "تكوُّن الطبقة العاملة الإنجليزية" (١٩٦٣)، وهو كتاب عرض فيه الطبقة بوصفها تكوينًا تاريخيًا وثقافيًا تشكله الخبرات واللغة والوعي والذاكرة، ويبدو وكأنه تحليل ثقافي في مقابل التحليل الاقتصادي أو التقرير الذي كتبه فريدريك إنجلز (ت:١٨٩٥م) عام ١٨٤٥م. كما برز ديك هيبديج (ولد ١٩٥١م)، صاحب كتاب "الثقافة الفرعية" (١٩٧٩)، الذي بيّن كيف يمكن للملابس والموسيقى والذوق الشبابي أن تكون رموزًا ثقافية تعبّر عن التمرد والاختلاف. وهكذا تحولت "الثقافة الشعبية" من موضوع ثانوي إلى مدخل رئيس لفهم المجتمع في أكثر حالاته اليومية كثافة وصدقًا.

 

تحولات الحقل: الجندر والعِرق، وما بعد الاستعمار

ثم ما لبث هذا الحقل أن توسع وتفرع، فلم يغدو حصرًا على سؤال الطبقة والثقافة الجماهيرية، إذ دخلت إليه بقوة أسئلة: الجندر والنسوية والعِرق والشتات وما بعد الاستعمار. وفي هذا السياق برزت أنجيلا ماكروبي (ولدت ١٩٥١)، التي تعد من أهم الأصوات التي أعادت توجيه الدراسات الثقافية نحو نقد تمثيل المرأة والأنوثة والعمل الثقافي في المجتمعات المعاصرة، ومن أشهر كتبها "ما بعد النسوية: الجندر والثقافة والتغير الاجتماعي". كما برز بول غيلروي (ولد ١٩٥٦)، صاحب كتاب "الأطلسي الأسود: الحداثة والوعي المزدوج"، حيث وسع الحقل نحو قضايا العِرق، والعبور، والهوية السوداء، والحداثة العابرة للقوميات، وتتبع ثقافة الأفارقة المختلفة بين بريطانيا وأمريكا. ومع هذه التحولات أصبحت الدراسات الثقافية تنهل من تيارات متعددة: تيار ماركسي، وآخر نسوي، وآخر معني بالعِرق والشتات، وآخر ما بعد استعماري، إلى جانب تيارات لاحقة اشتغلت على الوسائط الرقمية والثقافات الشبكية، ويمكن تسمية غرامشي (ت:١٩٣٧م) وفوكو (ت:١٩٨٤م) كأكبر الملهمين.

 

الهوية تُصاغ عبر الرموز والأسلوب اليومي

الهوية تُصاغ عبر الرموز والأسلوب اليومي

 

النقاشات النقدية حول الحقل

ومع هذا الاتساع في موضوع الدراسات الثقافية ومجالات اشتغالها، لم يخلُ الحقل من نقاشات نقدية متواصلة حول حدوده المنهجية وطبيعة مقارباته. فقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الدراسات الثقافية تميل أحيانًا إلى الإفراط في تحليل الخطابات والنصوص والتمثيلات الرمزية، على حساب الشروط الاقتصادية والمؤسسية والتاريخية التي تسهم في إنتاجها. ورأى آخرون أن اتساع مفهوم الثقافة داخل هذا الحقل قد يفضي إلى نوع من السيولة المنهجية، بحيث يغدو المجال مفتوحًا على موضوعات متباينة من غير ضوابط تحليلية كافية.

كذلك قيل عن الدراسات الثقافية إنها أفرطت في التسييس، لأنها كثيرًا ما قرأت الظواهر الثقافية من خلال مفاهيم الهيمنة والسلطة والأيديولوجيا، حتى بدا لبعض منتقديها أنها تختزل الثقافة إلى صراع سياسي دائم، غير أن المفارقة أن الحقل نفسه تعرّض، في الوقت ذاته، لانتقاد معاكس، مفاده أنه لا يذهب بعيدًا بما يكفي في تحليل الأبعاد السياسية للثقافة. غير أن هذه الاعتراضات، على أهميتها، لم تُفضِ إلى إضعاف الحقل، بقدر ما أسهمت في تطويره؛ إذ دفعت إلى مزيد من التكامل بين تحليل المعنى والتمثيل من جهة، ودراسة البنى التاريخية والاقتصادية وعلاقات السلطة من جهة أخرى، بما أتاح مقاربات أكثر توازنًا وعمقًا.

الإعلام يُعيد تشكيل الوعي داخل الحياة اليومية

الإعلام يُعيد تشكيل الوعي داخل الحياة اليومية

 

الدراسات الثقافية في العصر الرقمي

اليوم، وبعد عقود على الانطلاقة الأولى لهذا الحقل، امتدت الدراسات الثقافية من حدود الصحافة والتلفزيون والموضة والموسيقى إلى المنصات الرقمية، والخوارزميات، وصناعة المؤثرين، والهوية في الفضاء الشبكي، ولهذا ظهر جيل جديد من الباحثين يشتغل على الثقافة الرقمية والبيانات والسلطة الرمزية الجديدة، من أمثال نِك كولدري (ولد ١٩٥٨م) صاحب كتاب "أعباء التواصل؛ كيف تستعمر البيانات الحياة البشرية" (تُرجم للعربية مؤخرًا)، كما استمرت أسماء مثل أنجيلا ماكروبي في تجديد أسئلة الحقل وربطها بتحولات الحاضر، وبذلك تجددت الدراسات الثقافية وتحولت إلى حقل عالمي، يعيد النظر في نفسه باستمرار، ويستجيب لتحولات الوسائط والسلطة والهوية في العالم المعاصر. 


أفق الدراسات الثقافية في السياق العربي

أما في السياق العربي، فإن الدراسات الثقافية تفتح أفقًا بالغ الخصوبة لقراءة التحولات الاجتماعية من داخل لغتها ورموزها المحلية، فالسياق العربي اليوم يقدّم مادة كثيفة لهذا الحقل: من الدراما، والأغنية، واللهجات، وصورة المرأة والشباب، إلى تحولات المدينة، والهوية الدينية، والثقافة الرقمية، وتمثيل الأطراف والهوامش في الإعلام. غير أن الإفادة العربية الحقيقة ما زالت محدودة من هذا الحقل، ويفترض أن تتمثل في رصدها ودراستها حتى تصبح أداةً لفهم المجتمع العربي. ولهذا كله، فإن وجود معهد متخصص في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية يفتح أفقًا واسعًا لقراءة المجتمع من خلال لغته، وسردياته، وصوره، وتمثلاته، وتحولاته الرمزية اليومية.

غلاف كتاب "أعباء التواصل" لنيك كولدري ويوليوس ماهيس

الأقسام
author-img
د. عبدالرحمن خالد الخنيفر

إستكشاف المزيد

أنت تشاهد أحدث مقال

تعليقات

      ليست هناك تعليقات
      إرسال تعليق

        نموذج الاتصال